لم تعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مجرد مواجهة عسكرية حول المنشآت النووية أو القدرات الصاروخية. إنها اختبار لقدرة القوة العسكرية على تحقيق أهداف سياسية، ولحدود الضغط الاقتصادي في إخضاع الخصوم، ولتأثير الانتخابات والحسابات الداخلية في قرارات الحرب والسلام.
وبعد أشهر من المواجهة، لا يبدو أن التفوق العسكري وحده قادر على إنتاج حسم استراتيجي نهائي. فقد تتعرض المنشآت العسكرية والنووية للتدمير، وقد تتراجع قدرات الخصم، لكن ذلك لا يعني بالضرورة إسقاط نظامه السياسي، أو إنهاء نفوذه الإقليمي، أو ضمان استقرار المنطقة بعد توقف العمليات العسكرية.
وفي المقابل، تتزايد كلفة المواجهة على الاقتصاد العالمي، وتبقى الملاحة في الخليج ومضيق هرمز عرضة للمخاطر، فيما يواجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اختبارين انتخابيين متقاربين زمنياً، قد يؤثران في حساباتهما السياسية والعسكرية.
السؤال المركزي اليوم ليس من يمتلك السلاح الأكثر تطوراً، بل من يستطيع تحويل الضغط العسكري إلى مكاسب سياسية قابلة للاستمرار، ومن سيتمكن من تجنب حرب أوسع قد يدفع ثمنها الشرق الأوسط والاقتصاد العالمي.
أولاً: التفوق العسكري لا يعني بالضرورة الانتصار السياسي
ينبغي التمييز بين ثلاثة أهداف مختلفة: تدمير القدرات العسكرية الإيرانية، وإضعاف البرنامج النووي، وإسقاط النظام السياسي في طهران. فلكل هدف شروطه وأدواته، ولا يؤدي تحقيق أحدها تلقائياً إلى تحقيق الأهداف الأخرى.
قد تنجح الضربات الجوية في تدمير منشآت أو إلحاق أضرار كبيرة بالبنية العسكرية، لكنها لا تضمن تغيير سلوك القيادة الإيرانية، ولا توفر بحد ذاتها بديلاً سياسياً مستقراً داخل البلاد.
أما إسقاط النظام، فهو هدف أكثر تعقيداً وخطورة، لأن نتائجه تعتمد على توازنات الداخل الإيراني، وموقف المؤسسات الأمنية والعسكرية، وقدرة المعارضة على تنظيم بديل سياسي، فضلاً عن احتمالات الفوضى وتوسع الصراع خارج الحدود الإيرانية.
وتكمن المفارقة في أن استمرار الحرب قد يضعف إيران عسكرياً، لكنه قد يدفعها أيضاً إلى التمسك بأوراق قوتها المتبقية، واستخدام الملاحة البحرية والنفوذ الإقليمي وسيلةً لرفع كلفة المواجهة على خصومها.
لهذا، فإن إعلان النصر العسكري لا يكفي وحده للإجابة عن السؤال الأهم: هل أصبحت المنطقة أكثر أمناً، وهل تراجعت المخاطر النووية والإقليمية، أم أن الحرب أعادت إنتاجها بأشكال جديدة؟
ثانياً: المفاوضات الأمريكية الإيرانية.. الخلاف على ترتيب التنازلات
أظهرت التطورات الدبلوماسية الأخيرة أن باب التفاوض لم يُغلق تماماً، لكنه لا يزال محاصراً بخلاف جوهري حول الأولويات والضمانات.
فبحسب تقرير لوكالة رويترز في 18 أكتوبر/تشرين الأول، أعادت طهران طرح مقترح لإعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام، شرط الاستجابة لمطالب تتعلق بالحصار المفروض على موانئها، والعقوبات على صادراتها النفطية، ووقف الأعمال القتالية على الجبهات الإقليمية. في المقابل، تصر واشنطن على إعطاء الملف النووي وتخصيب اليورانيوم أولوية أساسية في أي تفاهم. [رويترز، 18 أكتوبر]
وهنا تكمن عقدة التفاوض: تريد واشنطن ضمانات نووية وأمنية قبل تخفيف الضغط، بينما ترى طهران أن وقف التصعيد ورفع الحصار وتخفيف العقوبات يجب أن تكون جزءاً من المقابل الذي تحصل عليه.
كل طرف يخشى أن يقدم تنازلات أولاً، ثم يجد نفسه أمام خصم استعاد قدرته على الضغط من دون أن يلتزم بتعهداته.
ومن هنا، يبدو الاتفاق المرحلي المتبادل أكثر واقعية من الرهان على تسوية شاملة وفورية. ويمكن أن يبدأ هذا الاتفاق بخطوات قابلة للتحقق في أمن الملاحة ووقف بعض الهجمات، على أن يتبعها مسار تفاوضي محدد زمنياً بشأن الملف النووي والعقوبات والضمانات الأمنية.
لكن نجاح هذا المسار يتطلب أكثر من إعلان النوايا؛ فهو يحتاج إلى آليات تحقق واضحة، والتزامات متبادلة، وضمانات تمنع انهياره عند أول خلاف.
ثالثاً: مضيق هرمز.. ورقة استراتيجية تتجاوز حدود الخليج
أصبح مضيق هرمز أحد أبرز مراكز الثقل في المواجهة، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، بل بسبب تأثيره المباشر في إمدادات الطاقة والتجارة العالمية.
وذكرت تقارير اقتصادية وأمنية حديثة أن ما لا يقل عن 18 هجوماً استهدف سفناً في المنطقة خلال أسبوعين، مع امتداد المخاطر إلى مياه خارج المضيق، بما فيها خليج عُمان. وفي 21 أكتوبر، ظلت أسواق النفط توازن بين استمرار تدفق الإمدادات وتصاعد المخاطر الأمنية. [رويترز، 21 أكتوبر]
وتكمن أهمية المضيق في أن أي اضطراب مستمر فيه يرفع تكاليف التأمين والنقل، ويضغط على أسعار الطاقة، وينعكس في نهاية المطاف على المستهلكين والشركات، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة نفسها.
ورغم أن مسارات بديلة وخطوط أنابيب ساعدت على تخفيف بعض آثار الاضطراب، فإنها لا تلغي المخاطر الاستراتيجية المرتبطة بالممر البحري.
ومن هنا، قد يكون التفاهم بشأن الملاحة مدخلاً عملياً لخفض التصعيد، لكنه لن يحل وحده الخلاف النووي أو ينهي التنافس الاستراتيجي بين واشنطن وطهران.
رابعاً: نتنياهو والانتخابات الإسرائيلية.. هل تصبح إيران ورقة في معركة البقاء السياسي؟
تتجه إسرائيل إلى الانتخابات في 27 أكتوبر/تشرين الأول وسط استقطاب سياسي حاد، وأسئلة حول إدارة الحرب، والمساءلة عن إخفاقات أمنية سابقة، ومستقبل القيادة الحالية.
وتشير تقديرات المقاعد المنشورة في نماذج استطلاع حديثة، إلى منافسة متقاربة بين معسكر بنيامين نتنياهو وخصومه، من دون أن تمنح أي جهة ضمانة واضحة لتشكيل حكومة مستقرة. وتضع إحدى تجميعات الاستطلاعات معسكر نتنياهو عند نحو 52-54 مقعداً، مقابل 52-54- للأحزاب المعارضة الصهيونية و13-15 للأحزاب العربية، في كنيست مؤلف من 120 مقعداً. وهذه تقديرات استطلاعية وليست نتائج انتخابية نهائية. [متابعة متوسط استطلاعات المقاعد الإسرائيلية]
والأهم أن تغيير رئيس الحكومة لا يعني بالضرورة تغييراً جذرياً في السياسة الإسرائيلية تجاه إيران. فقد أشار تحليل لرويترز نُشر في 21 أكتوبر إلى أن التوجهات الأمنية الأساسية، وفي مقدمتها احتواء إيران وإضعاف قدراتها والاعتماد على الردع العسكري، قد تستمر حتى إذا تغيرت القيادة. [رويترز، 21 أكتوبر]
ومع ذلك، تبرز فرضية سياسية لا يمكن تجاهلها: هل يمكن أن يلجأ نتنياهو إلى تصعيد عسكري جديد ضد إيران إذا واجه خطر خسارة الانتخابات أو تعثر تشكيل حكومة؟
هذه فرضية أو دليلاً على أن أي هجوم محتمل سيكون هدفه الوحيد البقاء في السلطة.
وقد أفادت صحيفة فاينانشال تايمز بأن نتنياهو وجّه، خلال أكتوبر، استعدادات عسكرية تحسباً لاستئناف ضربات واسعة ضد إيران، وأن هجوماً كان مخططاً له في 10 أكتوبر لم يُنفذ بعد اعتراض أمريكي. ويشير ذلك إلى أن خيار التصعيد لا يزال مطروحاً، لكنه لا يثبت أن قراراً نهائياً اتُّخذ أو أن الانتخابات هي الدافع الحاسم إليه. [فاينانشال تايمز، أكتوبر 2026]
إن الخطر الحقيقي هو أن تتداخل الحسابات الأمنية مع المصالح الانتخابية، بحيث يصبح التصعيد وسيلة لإعادة تشكيل الأجندة السياسية أو استعادة صورة القيادة القادرة على حماية البلاد. وفي مثل هذه الظروف، قد يؤدي سوء التقدير إلى حرب أوسع، حتى لو لم يكن أي طرف يرغب في تحمل نتائجها الكاملة.
خامساً: ترامب وانتخابات 3 نوفمبر.. هل تعاقب صناديق الاقتراع سياسة الحرب؟
تكتسب الانتخابات النصفية الأمريكية، المقررة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني، أهمية استثنائية لأنها ستحدد ميزان القوى في الكونغرس خلال العامين الأخيرين من ولاية ترامب.
ووفق استطلاع رويترز/إبسوس المنشور في 19 أكتوبر، بلغت نسبة تأييد أداء ترامب 31%، وهي أدنى نسبة سجلها الاستطلاع خلال فترتي رئاسته. كما تقدم الديمقراطيون على الجمهوريين بـ12 نقطة في سؤال التفضيل الحزبي للانتخابات التشريعية: 47% مقابل 35%. [رويترز/إبسوس، 19 أكتوبر]
وتُظهر النماذج نطاقاً تقديرياً للديمقراطيين يتراوح بين 229 و242 مقعداً في مجلس النواب، مقابل 193 إلى 206 للجمهوريين، من أصل 435 مقعداً. أما مجلس الشيوخ، فتضع إحدى التقديرات المركزية الديمقراطيين والمستقلين المتحالفين معهم عند 51 مقعداً، مقابل 49 للجمهوريين، من أصل 100 مقعد. وتظل هذه توقعات قابلة للتغير وليست نتيجة محسومة.
وتحتاج المعارضة الديمقراطية إلى مكاسب صافية من أربعة مقاعد للسيطرة على كل من المجلسين، بحسب التوزيع الحالي الذي أوردته رويترز. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن السيطرة على مجلس النواب تبدو أقرب للديمقراطيين، بينما تبقى معركة مجلس الشيوخ أكثر تعقيداً. [رويترز]
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الحرب الخارجية عن الاقتصاد الداخلي. فارتفاع أسعار الوقود وتكاليف المعيشة قد يحولان المواجهة مع إيران من قضية أمن قومي إلى عبء انتخابي على الإدارة، خصوصاً إذا اعتقد الناخبون أن التكاليف تتزايد من دون تحقيق نتائج سياسية واضحة.
وخلال تجمعه الانتخابي في ولاية كانساس في 19 أكتوبر، حذّر ترامب من أن الديمقراطيين قد يرفعون العلم الفلسطيني في الولاية، مستخدماً القضية في سياق هجومه على خصومه السياسيين
ويكشف هذا الخطاب عن مدى حضور القضية الفلسطينية في الاستقطاب الانتخابي الأمريكي، وعن استخدام الرموز المرتبطة بها لتعبئة القاعدة الانتخابية.
وقد يسعى ترامب إلى إظهار تقدم دبلوماسي أو خفض للتصعيد قبل الاقتراع، خصوصاً إذا ازدادت الضغوط الاقتصادية والسياسية. غير أن خسارة الجمهوريين لأحد المجلسين لن تمنح الديمقراطيين سلطة مباشرة لوقف كل العمليات العسكرية؛ إذ يحتفظ الرئيس بصلاحيات تنفيذية واسعة، وإن كانت سيطرة المعارضة على الكونغرس ستعزز الرقابة والتحقيقات والضغط التشريعي والمالي.
وبذلك، قد لا تحدد الانتخابات نهاية الحرب، لكنها قد تغير كلفتها السياسية، وحدود قدرة الإدارة على مواصلة نهجها من دون مساءلة أشد.
سادساً: ثلاثة سيناريوهات لمستقبل المواجهة
السيناريو الأول: تفاهم محدود لخفض التصعيد.
قد تتفق واشنطن وطهران على ترتيبات مؤقتة للملاحة ووقف بعض الهجمات، مع تأجيل القضايا النووية الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة. وسيمنح ذلك الطرفين فرصة لخفض الكلفة من دون إعلان تراجع استراتيجي.
السيناريو الثاني: استمرار المواجهة والضغط المتبادل.
إذا بقيت الشروط المسبقة متعارضة، فقد تستمر الضربات والتهديدات والعقوبات والاضطرابات البحرية، مع ارتفاع المخاطر الاقتصادية والأمنية. وقد يصبح هذا المسار حرب استنزاف لا تحقق نصراً سياسياً واضحاً لأي طرف.
السيناريو الثالث: تصعيد إقليمي أوسع.
قد يؤدي استهداف منشآت استراتيجية، أو سقوط أعداد كبيرة من الضحايا، أو توسع الهجمات على الملاحة والبنية التحتية للطاقة، إلى ردود متبادلة يصعب احتواؤها. ويزداد الخطر إذا تزامن ذلك مع حسابات انتخابية تضيق معها مساحة التراجع السياسي.
وستتوقف فرص الانتقال من السيناريو الثاني إلى الأول على مؤشرات محددة: مدى استعداد واشنطن لمناقشة مقترح هرمز، وظهور خطوات عملية لاستئناف المفاوضات النووية، وتطور الاستعدادات العسكرية الإسرائيلية، وما إذا كانت نتائج الانتخابات ستشجع على التهدئة أو تدفع الأطراف إلى تشديد مواقفها.
من يعلن النصر، ومن يدفع الثمن؟
في تقديري، نحن أمام صراع لا يكفي فيه التفوق العسكري لتحقيق النصر السياسي. تريد الولايات المتحدة وإسرائيل تقليص قدرات إيران وتغيير سلوكها الاستراتيجي، بينما تسعى طهران إلى الحفاظ على النظام وأوراق القوة المتبقية وانتزاع تخفيف للعقوبات والضغوط.
وفي الوقت نفسه، تتزايد كلفة المواجهة على الاقتصاد العالمي، وتقترب الانتخابات في الولايات المتحدة وإسرائيل، فتتداخل حسابات الأمن القومي مع حسابات البقاء السياسي.
لكن الانتخابات لا تضمن السلام، كما أن استمرار الحرب لا يضمن الحسم. وقد تتغير أساليب إدارة الصراع من دون أن تتغير أهدافه الأساسية، فيما تبقى احتمالات التصعيد قائمة إذا فضّلت القيادات السياسية إظهار القوة على تقديم تنازلات متبادلة.
إن الاختبار الحقيقي ليس قدرة أي طرف على إعلان انتصاره، بل قدرته على تحويل الضغط العسكري والاقتصادي إلى تسوية قابلة للاستمرار، تمنع اتساع الحرب، وتحمي الملاحة والطاقة، وتقلل مخاطر الانتشار النووي، وتفتح الطريق أمام أمن إقليمي أكثر استقراراً.
فالحروب قد تنتهي عندما تعجز الأطراف عن مواصلة القتال، لكنها لا تصبح تسويات ناجحة إلا عندما تجد الأطراف مصلحة في وقفها، وتملك ضمانات كافية لعدم العودة إليها
طهران وواشنطن: حرب بلا حسم أم تسوية مؤجّلة؟
فلسطين أون لاين