☰
✕

قائمة الموقع

صالح: طوفان الأقصى أسقط نظرية الردع الاسرائيلية وبدّد رهانات حسم الصراع

2026-10-16T14:32:00+03:00
المدير العام لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت، د. محسن صالح
فلسطين أون لاين

رأى المدير العام لمركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت، د. محسن صالح، أن عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/ تشرين أول 2023، أحدثت تحولات استراتيجية في معادلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بعدما أسقطت نظرية الردع والإنذار المبكر الإسرائيلية، وأعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي.

وقال صالح في حوار مع "فلسطين أون لاين"، إن الاحتلال الإسرائيلي فشل في تحقيق أهداف حربه على قطاع غزة، رغم الدمار الهائل والخسائر البشرية الفادحة، ولم يتمكن من سحق المقاومة أو فرض رؤيته لمستقبل القطاع، معتبرًا أن اتساع جبهات المواجهة كشف حدود التفوق العسكري الإسرائيلي.

وشدد على أن "طوفان الأقصى" تمثل حلقة في مسار طويل من النضال الفلسطيني، الذي تتراكم فيه التحولات والتضحيات عبر مراحل متعاقبة، محذرًا من إصدار أحكام نهائية على مستقبل المقاومة في ظل استمرار تداعيات الحرب وعدم اتضاح مآلات الصراع.

طوفان الأقصى قلب معادلة حسم الصراع

لفهم التحولات التي أحدثتها العملية، يعود صالح إلى طبيعة حكومة الاحتلال التي تشكلت في نهاية عام 2022، واصفًا إياها بأنها الأكثر تطرفًا منذ إنشاء الكيان الإسرائيلي، مشيرًا إلى أن شعارها كان "حسم الصراع" وشطب القضية الفلسطينية نهائيًا. وقد عكست إجراءاتها قبل السابع من أكتوبر هذا التوجه، وصولًا إلى عرض رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو خريطة في الأمم المتحدة شملت فلسطين المحتلة، بما فيها الضفة الغربية وقطاع غزة، باعتبارها جزءًا من الكيان الإسرائيلي.

لكن "طوفان الأقصى"، وفق تقديره، قلب هذه المعادلة، وحول القضية الفلسطينية من قضية كانت منزوعة الحضور في الاهتمام الدولي، وتتعرض لمحاولات التصفية، إلى قضية تتصدر المشهد العالمي، وتفرض نفسها على الأجندة الدولية على مدار 3 أعوام من الحرب وما تلاهم من تداعيات.

ولم يقتصر التحول إلى عودة القضية الفلسطينية إلى الوجاهة، بل امتدت، وفق صالح، إلى إسقاط السردية الإسرائيلية، وجعل الكيان الإسرائيلي يواجه حالة من العزلة الدولية، وصفها بأنها الأسوأ منذ إنشائه عام 1948، بالتزامن مع تحولات شعبية واسعة في الدول الغربية، بما فيها أوروبا الغربية والولايات المتحدة.

وفي البعد الأمني والعسكري، يرى مدير مركز الزيتونة للدراسات، أن العملية أسقطت النظرية الأمنية الإسرائيلية القائمة على الردع والإنذار المبكر وحسم المعارك ونقل القتال إلى أرض الخصم، حيث تعرض الاحتلال لهزة عميقة جدًا عندما فوجئ بتمكن عدد محدود من المقاومين، بلغ نحو 1500 في البداية قبل أن يرتفع العدد، من السيطرة على مساحة واسعة وتدمير مواقع عسكرية تابعة لـ"فرقة غزة" في جيش الاحتلال، بينها 11 نقطة عسكرية ومركز قيادة، وفق تقديره.

ويبين أن هذه التطورات أدت إلى اهتزاز شعور الإسرائيليين بالأمن، إذ جرت المواجهة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، للمرة الأولى بهذا الشكل منذ إنشاء الكيان الصهيوني، ما عزز شعورهم بأنهم أمام معركة وجودية. وعزا صالح إلى ذلك التوحش الإسرائيلي في محاولة الانتقام من قطاع غزة واستعادة جانب من الهيبة التي فقدها، وإعادة بناء الثقة لدى التجمع الصهيوني الموجود في فلسطين.

ولم تتوقف تداعيات العملية عند الجانب العسكري؛ إذ يرى صالح أنها أسهمت في تعثر مسارات التطبيع في الدول العربية، في ظل ارتفاع "جداران الدم" التي خلفتها ممارسات المشروع الصهيوني، إلى جانب تفاقم الأزمات الداخلية الإسرائيلية نتيجة الخسائر التي تكبدها جيش الاحتلال، والأعباء الاقتصادية، والهجرة العكسية.

ويشير إلى أن العملية أوجدت، في المقابل، حالة من الإلهام لدى الشعوب العربية والإسلامية، بشأن إمكانية تحرير فلسطين، معتبرًا أن ما حققته مجموعة من المقاومين في بيئة محاصرة وشديدة المعاناة يبرهن، على قدرة الأمة على هزيمة المشروع الصهيوني إذا توحدت وتوافرت الإرادة لدى قياداتها وأنظمتها.

إخفاق إسرائيلي

وبشأن تحقيق الاحتلال لأهدافه المعلنة للحرب على غزة، يوضح صالح أن الاحتلال حدد مجموعة من الأهداف الرئيسية، تمثلت في سحق المقاومة، وتحديدًا حركة حماس، والسيطرة على قطاع غزة بالكامل، وتقرير مستقبل القطاع في مرحلة ما بعد الحرب، واستعادة الأسرى الإسرائيليين بالقوة، وتأمين مستوطنات ما يسمى بـ"غلاف غزة"، قبل أن يضيف هدف تهجير الفلسطينيين إلى خارج القطاع.

وبحسب تقديره، فإن المجازر والقتل وحجم الدمار الهائل الذي ألحقه جيش الاحتلال بالقطاع لا يعني نجاحه في تحقيق أهدافه العسكرية والسياسية، لم يتمكن من إنهاء المقاومة أو فرض رؤيته لمستقبل غزة، رغم استخدامه القوة العسكرية على نطاق واسع، واستمرار الدعم الأمريكي السياسي والعسكري له.

ويشير إلى أن الاحتلال، لم يتمكن من سحق حماس أو إنهاء المقاومة، كما لم ينجح في السيطرة على قطاع غزة بالكامل، ولم يستعد أسراه بالقوة، بل جرى استردادهم ضمن معادلة فرضتها المقاومة، ولم يتمكن من تهجير سكان القطاع أو حسم مسألة اليوم التالي للحرب.

ويفسر هذا التباين بين حجم الدمار والنتائج السياسية والعسكرية، بحسب صالح، الاتهامات الإسرائيلية لبنيامين نتنياهو بالفشل في تحقيق الأهداف التي أعلنها، رغم كل ما استخدمه جيش الاحتلال من قوة عسكرية وما ألحقه بالقطاع من خسائر هائلة.

ولم تقتصر المواجهات على قطاع غزة؛ إذ فتحت حكومة نتنياهو جبهات متعددة، شملت لبنان وإيران ومواجهة أنصار الله في اليمن، من دون أن تتمكن من حسم جميع هذه المواجهات. ويرى صالح أن ذلك يكشف الفجوة بين القدرة على شن الحروب، المدفوعة بالغطرسة والتفوق العسكري، والقدرة على تحقيق النتائج المرجوة منها، مشيرًا إلى أن هذه المواجهات أسهمت، إلى جانب ما خلفته من خسائر وتضحيات، في زيادة حالة العداء للمشروع الصهيوني في البيئة الإقليمية.

طوفان الأقصى جولة في صراع تحرري

ويرفض صالح تقييم نتائج "طوفان الأقصى" بمعزل عن السياق التاريخي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وإنما ضمن الإطار الاستراتيجي كجولة من جولات الصراع مع العدو الإسرائيلي، لأن معارك التحرر من الاستعمار ذات طبيعتها تراكمية على مدى زمن طويل قد يستمر عقودًا طويلة، قبل أن تصبح كلفة استمرار الاستعمار أكبر من المكاسب التي يحققها من بقائه.

ويستشهد بتجربة الاستعمار الفرنسي للجزائر، الذي استمر 132 عامًا، مشيرًا إلى أن مسارات التحرر الوطني تتشكل عبر مراحل وجولات متتابعة، تتراكم خلالها التضحيات والنتائج إلى أن تتغير موازين الصراع.

ويوضح صالح أن النضال الفلسطيني مستمر منذ نحو 108 أعوام، وشهد ثورات وانتفاضات وموجات متعددة، وإن "طوفان الأقصى" يمثل إحدى هذه الموجات، وليس بداية المعركة أو نهايتها، وقد تحققت خلالها إنجازات مهمة في إطار كشف الوجه البشع للاحتلال وتحويله إلى حالة منبوذة عالميا، وتوسيع الشعور بالمخاطر التي يمثلها المشروع الصهيوني في البيئة الإقليمية، فضلًا عن إحداث تحولات في النظرة إلى الاحتلال على المستويين الشعبي والدولي.

لا حسم عسكري للمعركة

وفي حديثه عن استمرار المقاومة في قطاع غزة رغم سنوات الحرب، أشار صالح إلى أن صمودها لا يقتصر على فترة "طوفان الأقصى"، بل يمتد إلى عام 2007، حين فرض الحصار على القطاع بعد سيطرة حركة حماس عليه، وما تلا ذلك من حروب متكررة.

ويرى أن العامل الأبرز في استمرار المقاومة تمثل في قدرة المجتمع الفلسطيني في غزة على الإنسان النموذج المؤمن بحقه في أرضه، وصابر على المعاناة، ومستعد للتضحية في سبيل هذا الحق، معتبرًا أن هذا العامل شكّل فارقًا نوعيًا في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية والحصار طويل الأمد، رغم شح الإمكانات.

ويوضح أن المقاومة استمرت رغم توقعات إسرائيلية بإمكانية سحقها خلال أسبوع أو أسبوعين في قطاع صغير ومحاصر ومنهك، وخاضت حربًا امتدت عامين في مواجهة قوة عسكرية عالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن الاحتلال لم يتمكن، من فرض جميع شروطه، وانتهى إلى هدنة تقوم على اتفاق بين طرفين.

ووفق صالح فإن خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تمثل محاولة لتحقيق عبر المسار السياسي ما لم يتمكن الاحتلال من تحقيقه عسكريًا، ولا سيما فيما يتعلق بنزع سلاح المقاومة، مشيرًا إلى أن هذه الخطة تواجه صعوبات، في ظل عدم توافر قوة دولية أو دول مستعدة للقيام بمهمة نزع سلاح المقاومة بالوكالة عن الاحتلال والولايات المتحدة.

مستقبل المقاومة

وفي استشرافه لمستقبل المقاومة الفلسطينية، يشدد صالح على أن قطاع غزة قدم تضحيات ودفع أثمانًا هائلة تفوق ما كان متوقعًا منه، وأن من حق غزة وأهلها الحصول على استراحة محارب، وإعادة ترتيب أوضاعهم والتقاط أنفاسهم بعد سنوات الحرب، مشيرًا إلى وجوب تقديم الدول العربية والإسلامية والمجتمع الدولي وأحرار العالم مختلف أشكال الدعم للفلسطينيين، بما يشمل فك الحصار، وإعادة الإعمار، وإغاثة السكان.

ويستند صالح في قرأته لمستقبل المقاومة إلى تاريخ النضال الفلسطيني الذي شهد موجات متعاقبة، تتخللها فترات من التراجع أو الهدوء، مستحضرًا في هذا السياق، الانتفاضة الفلسطينية الأولى بين عامي 1987 و1993، وما أعقبها من مرحلة اتفاقات أوسلو، ثم اندلاع انتفاضة الأقصى، وصولًا إلى المواجهات التي خاضها قطاع غزة خلال السنوات اللاحقة.

ومن هذا المنطلق، يعد صالح "طوفان الأقصى" أقوى هذه الموجات، لكنه لا يراه نهاية لمسار النضال الفلسطيني، مشددًا على أن الصراع ما زال مستمرًا، وأن تداعيات الحرب لم تتوقف بعد.

ويحذر من تقديم تقييمات لمستقبل المقاومة بصورة نهائية في هذه المرحلة، في ظل استمرار المعركة وعدم اتضاح مآلاتها بالكامل، متوقعًا أن تشهد البيئة الفلسطينية الداخلية، وكذلك البيئتان العربية والدولية، تحولات قد تعيد ترتيب الظروف المحيطة بالقضية الفلسطينية، بما يدعم صعود المقاومة إلى الواجهة في مرحلة لاحقة.

اخبار ذات صلة