تُشير المصادر الفلسطينيّة والوقائع الميدانية في القدس والأقصى، إلى تراجعٍ مقلق وخطير في أعداد المصلين والمرابطين في المسجد الأقصى، ويأتي هذا التراجع نتيجة جملةٍ من الأسباب، أولها قدرة الاحتلال على مراكمة أدوات القمع والتضييق، وترسيخ القيود أمام أبواب الأقصى وفي محيطه، ورفع كلفة الرباط في الأقصى، من خلال الإبعاد المتكرر واستهداف المرابطين بشكلٍ متصاعد.
واستطاعت أذرع الاحتلال من خلال مروحة الإجراءات هذه، المضي قدمًا في ضرب الحاضنة البشرية الإسلامية في الأقصى، وبكل أسف تقليل أعدادها، وخاصة بالتزامن مع اقتحامات الأقصى شبه اليوميّة، وجاءت أخيرًا تلك الصورة التي نشرتها العديد من المصادر إلى نمو الأعشاب بين حجارة ساحة مصلى قبة الصخرة، في مشهدٍ أعاد للأذهان واقع المسجد في زمنٍ مضى، وهي صورة مقلقة لجزء مما يعانيه الأقصى، مع تراجع الحضور الإسلامي.
ونحاول في هذا المقال استقراء أبرز ما قامت به أذرع الاحتلال، لمنع استعادة حالة "الرباط" في الأقصى، التي شكّلت تاريخيًا وعمليًا خط الدفاع الأول عن المسجد، والعقبة الكأداء في مواجهة مخططات التقسيم، وتتجسد هذه السياسة العدوانية في سلسلة من القيود، حيث تُفرض تشديدات خانقة وحصار محكم أمام أبواب المسجد الأقصى، وصلت في كثير من الأحيان إلى حد منع من هم دون سن الثمانين عامًا من الدخول، وخاصة بالتزامن مع الاقتحامات الحاشدة في الأعياد العبريّة.
سياسة الإبعاد: تفريغ الساحات وكيّ الوعي
تتصدر سياسة الإبعاد واجهة مشهد العدوان على المكون البشري الإسلامي، لتشكل أداة رئيسة لحسم الهيمنة على المسجد وتفريغه من عمّاره، وتوازيًا مع حصار المسجد والقيود المختلفة، تصعّد سلطات الاحتلال من إصدار قرارات الإبعاد بشكل غير مسبوق، فبحسب "مركز معلومات وادي حلوة" أصدرت سلطات الاحتلال منذ بداية عام 2026 نحو ألف قرار إبعاد عن الأقصى، ويُضاف إليهم إبعاد وملاحقة أعدادٍ كبيرة من المصلين المواظبين على الرباط من أبناء الأراضي المحتلة عام 1948، وإلى جانب المرابطين، تستهدف سلطات الاحتلال رموز الدفاع عن المسجد، والشخصيات الاعتبارية في المدنية المحتلة، حيث جددت سلطات الاحتلال قرار إبعاد أمين المنبر الشيخ عكرمة صبري عن الأقصى لستة أشهر، وهي سلسلة من القرارات التي تستهدف الفاعلين والقيادات الشعبية في القدس وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48.
وتتراوح مُدد الإبعاد عن الأقصى ما بين عدة أيام، وتصل إلى نحو ستة أشهر قابلة للتجديد، وتستهدف هذه القرارات شرائح محددة لضمان شلّ الحركة داخل المسجد، ويمكن تلخيص أبرز الفئات المستهدفة، أولهم المصلون في الأقصى، سواء من القدس المحتلة، أو الضفة الغربية، أو الأراضي المحتلة عام 1948، إضافةً إلى القيادات المقدسية الدينيّة والوطنية، والمرابطون الذين يعمرون مصلى باب الرحمة وساحات الأقصى الشرقية. وأخيرًا حراس الأقصى وموظفو دائرة الأوقاف الإسلامية.
تقليم الأظافر: العدوان الممنهج على دائرة الأوقاف
إلى جانب الاستهداف الممنهج للمصلين، صعدت أذرع الاحتلال من عدوانها على دائرة الأوقاف الإسلامية، سعيًا إلى إنهاء دورها وإخراجها تدريجيًا، تمهيدًا إلى تحويل إدارة المسجد إلى إدارة مشتركة، وقد بدأت هذه الخطوات مبكرًا بالسيطرة على مفاتيح باب المغاربة، ثم انتزاع صلاحية إدخال السياح من الأوقاف في آب/أغسطس 2003، ومنع الدائرة من القيام بعمليات ترميم المسجد وصيانته، واعتقال موظفي لجنة إعمار الأقصى، والذي وصل حدّ منع اللجنة من القيام بإصلاح بلاطة من بلاطات الأقصى، من دون إذن مباشر من شرطة الاحتلال، ومنذ 2/7/2023 تمنع شرطة الاحتلال الدائرة من إجراء أي أعمال صيانة وترميم بشكلٍ كامل، بهدف ترك المسجد في حالة متردية لرفع احتمالية انهيار بعض أجزائه.
وإلى جانب ما سبق، يتعرض جهاز حراس الأقصى لاستهداف متعمد أدى إلى تحجيم دورهم ومنعهم من الاقتراب من المقتحمين، إلى جانب اعتقالهم المتكرر وإبعادهم عن مكان عملهم. ويعاني هذا الجهاز من نقص حاد، حيث لم يتبق سوى نحو 160 حارسًا، وهو عدد لا يكفي لمساحة المسجد الشاسعة. وتُمنع الأوقاف من تعيين حراس جدد، كما حدث في تشرين الثاني/نوفمبر 2021 عندما عُين 15 حارسًا مُنعوا من مزاولة عملهم.
التهويد برعاية أمنية وعسكرة ساحات المسجد
رسخت أذرع الاحتلال معادلة بالغة الخطورة، فكلما استطاعت تقليل حجم الوجود البشري الإسلامي في الأقصى، سعت إلى تكثيف الحضور الاستيطاني، وهو ما يمهد نحو التطبيق الكامل للتقسيم الزماني والمكاني، وخلال السنوات الماضية تحولت أذرع الاحتلال الأمنية إلى الرديف الأهم للمستوطنين، حيث توفّر لهم الحماية أثناء أدائهم الطقوس العلنية، والرقص، ورفع الأعلام. وخلال النصف الأول من عام 2026، مُددت أوقات الاقتحام لتصل إلى ست ساعات ونصف يوميًا.
وتتعامل السلطات الأمنية مع الأقصى كساحة حرب، ففي 14/7/2026 نفذت شرطة الاحتلال مناورات تدريبية حية داخل باحاته استمرت لأكثر من ساعتين، شملت إخلاء المصلى القبلي بالقوة. وفي 23/7/2026، نصبت خيمة في ساحات المسجد الشرقية، التقط حينها وزير الأمن القومي صورة تذكارية أسفلها، في إشارة واضحة لمساعي تحويل الساحات الشرقية لمكان يستوعب الوجود اليهودي الدائم. كما استُهدفت معالم محددة وتم تفريغها بذرائع أمنية، شملت: قبة الإمام الغزالي فوق سطح مصلى باب الرحمة. دار الحديث الشريف في الجهة الشمالية الشرقية. قبة سليمان في الساحة الشمالية. قبة موسى في الساحة الجنوبية الغربية.
الأعياد العبرية: مواسم لتغول الاحتلال وفرض أمر واقع جديد
وفي سياق هذا التغول، ونتيجةً لما حققته أذرع الاحتلال من استهداف للمكون البشري، فقد تحولت مواسم الأعياد اليهودية إلى محطات مركزيّة للتغول وتصعيد العدوان الميداني والسياسي على الأقصى، بأشكال وطرقٍ غير مسبوقة. وقد برز هذا التحول الخطير بوضوح خلال موسم الأعياد العبريّة الطويل الممتد ما بين 12 أيلول/سبتمبر و3 تشرين الأول/أكتوبر 2026، والذي دشن سلسلة من الانتهاكات الصارخة، ومن أبرز شواهد هذا التطور الخطير ما جرى في 13 أيلول/سبتمبر 2026، حين تجرأ المقتحمون على النفخ في بوق "الشوفار" نحو ثلاثين مرة داخل باحات الأقصى، في سابقة خطيرة مرت دون توثيق من المصادر الفلسطينية، ولم يُكشف عنها إلا بعد يومين عبر إعلانات المستوطنين أنفسهم، وهو ما عكس كثافة العدوان المباشر وقدرة المنظمات المتطرفة على المضي قدمًا في انتهاكاتها بعيدًا عن عدسات الإعلام.
وقد تحول المسجد الأقصى خلال هذا الموسم إلى ساحة مستباحة بالكامل، مسجلًا أرقامًا قياسية في أعداد المقتحمين التي بلغت نحو 11,692 مستوطنًا، وبدأت هذه الموجة بنحو 545 مقتحمًا في "رأس السنة العبرية"، ونحو 1649 مستوطنًا بالتزامن مع عيد "الغفران"، لتصل إلى ذروتها بمشاركة نحو 9,081 مقتحمًا خلال "عيد العرش".
وانعكست كثافة الاقتحامات على استعراض للسيادة عبر أداء الطقوس العلنية، وبغطاء رسميّ مباشر، وقد تصدر هذه المشاهد وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي استغل هذا الموسم ليعلن صراحة أنهم "أصحاب السيادة" في المسجد، وشاركه في ذلك أعضاء "الكنيست" يتسحاق كروزر، وعميت هليفي، وتسيفي سوكوت، إضافة إلى نائب رئيس "الكنيست" السابق موشيه فيغلن الذي قدّم "القرابين النباتية" في ساحات الأقصى الشرقية.
وتركزت هذه الانتهاكات المدعومة بحضور حاخامات المنظمات المتطرفة، الذين قادوا الطقوس العلنية وأداء طقوس الانبطاح الجماعي بـ"السجود الملحمي"، فضلًا عن إقامة طقوس "بركات الكهنة"، وتمجيد "هاليل"، و"السيليحوت"، و"القاديش"، في استهداف مباشر يرمي إلى شرعنة الوجود اليهودي وتطبيع أداء الطقوس التلمودية كجزء من المشهد اليومي للمسجد.
في المحصلة، لا يمكن قراءة سياسات الإبعاد المتصاعدة والتضييق الممنهج على دائرة الأوقاف وحراس المسجد، بمعزل عن المخطط الشامل الذي يبلغ ذروته خلال مواسم الأعياد العبرية، التي باتت مختبرًا مصغرًا تختبر فيه أذرع الاحتلال كل مخططات العدوان والإحلال، وتحولها إلى محطات استراتيجية لترجمة الفراغ البشري المفروض بقوة السلاح إلى واقع جديد.
وأمام هذا التغول غير المسبوق ومساعي حسم معركة السيادة، تبرز الحاجة الملحة لاستدامة الرباط وتحدي قيود الاحتلال، بالتوازي مع تحرك فاعل من المنظومة العربية والإسلامية لدعم صمود المقدسيين، وكسر حالة العجز أمام تغول الاحتلال، وهو نداء قاسٍ قليلًا ولكنه ضروريّ في وجه هذا التغول غير المسبوق من قبل الاحتلال وأذرعه التهويديّة.

