☰
✕

قائمة الموقع

الزهراء.. ذكرى واحدة ووجعٌ ينبض من جديد

2026-10-21T09:47:00+03:00
صورة أرشيفية
فلسطين أون لاين

دائمًا ما كنت أعتقد أن الذاكرة يمكن أن تنسى، وأننا سنتمكن يوما من تجاوز ما عشناه في دفء #مدينة_الزهراء، لكنني كنت مخطئا.

كنت أظن أن الأيام كفيلة بأن تبعدنا عن الماضي، وأن ما عشناه سيصبح يوما مجرد ذكرى بعيدة، نستعيدها دون أن تؤلمنا. كنت أحاول إقناع نفسي بأن الحياة تمضي، وأن علينا أن نمضي معها، وأن ما مضى، مهما كان جميلا، لا بد أن يترك مكانه لما هو آتٍ.

 لكنني كلما حاولت إقناع نفسي بذلك، كانت ذاكرتي تذهب إلى هناك، إلى #مدينة_الزهراء، كأنها لم تغادرها يوما، وكأن شيئًا في داخلي ما زال يرفض الاعتراف بأن ذلك العالم الذي عشته بكل تفاصيله لم يعد موجودا كما كان.

لم تكن #الزهراء مجرد مدينة نسكنها، بل كانت جنتنا الصغيرة التي احتضنت تفاصيل حياتنا، ومنحت أيامنا دفئا وأمانا وألفة لم نكن ندرك عظمة ما نعيشه إلا بعدما فقدناه. هناك، كانت الحياة تمضي ببساطتها، وكانت الأماكن تحمل وجوهنا وضحكاتنا وحكاياتنا، حتى ظننا أن هذا الدفء سيبقى، وأن للذاكرة دائمًا متسعًا للنسيان.

لكن المدينة هدمت، ولم تسقط جدرانها وحدها، بل تهدم معها عالم كامل من الذكريات، ودفنت تحت ركامها أحاسيس ظننا أنها ستبقى حية ما حيينا. أكلت النار بعض تلك التفاصيل، وطمس الركام ملامح أماكنها، لكن ما عجزت عنه النار والحجارة هو انتزاعها من أعماقنا؛ فما زال بعضها ينهض مع كل ذكرى، ويأتينا من شقوق الذاكرة كلما حاولنا المضي بعيدا.

كنت أظن أن الابتعاد عن المكان سيخفف وطأة الحنين، وأن مرور الوقت سيجعل صورته أقل حضورا في داخلي، لكن شيئا غريبا كان يحدث كلما ظننت أنني بدأت أتجاوز الفقد؛ كانت تفصيلة صغيرة كفيلة بأن تعيدني إلى #الزهراء، فتوقظ في داخلي مدينة كاملة. ربما كانت صورة عابرة، أو مشهدا يشبه أحد شوارعها، أو لحظة دفء أعادتني إلى أيامها، فإذا بذاكرتي تفتح أبوابها على اتساعها، وإذا بي أعود إلى المكان الذي حاولت طويلا إقناع نفسي بأنني تجاوزته

لم أكن أعود إلى الزهراء كما تستعاد الأماكن في الخيال، بل كنت أعود إليها بكل ما فيها؛ إلى البيوت التي احتضنتنا، والأزقة التي ألفناها، والوجوه التي صنعت ألفتنا، والأيام التي عشناها ببساطة دون أن نعرف أنها ستصبح يوما أثمن ما نملك. كانت ذاكرتي تستحضر كل ذلك بوضوح موجع، ثم تتركني أمام واقع لا يشبه شيئا مما رأيت.

وكلما عادت إلي صورة من #الزهراء، شعرت بأنني لا أحن إلى البيوت والشوارع وحدها، بل أحن إلى نفسي كما كنت هناك؛ إلى إنسان كان يعيش أيامه دون أن يخشى فقدانها، وإلى حياة لم يكن يعرف أن تفاصيلها العادية ستصبح يوما أمنيات بعيدة. أدركت حينها أن بعض الأماكن لا تسكنها أجسادنا فحسب، بل تسكننا نحن، وأن مغادرتها لا تعني بالضرورة أننا غادرناها حقا.

نحن لا ننسى، بل نحاول أن نتعايش مع ما لا ينسى؛ نعيش أحياء، لكن جزءا منا لا يزال هناك، في الأزقة التي عرفناها، والبيوت التي احتضنتنا، والأيام التي لم نكن نعرف أنها ستصبح يوما أثمن ما نملك.

وما أقسى أن تستعيد الذاكرة جنتك، ثم تفتح عينيك على ركامها؛ أن ترتشف من دفء الماضي، فتوقظ فيك مرارة الحاضر، وأن تعود إليك تفاصيل الحياة التي أحببتها، لا لتعيشها من جديد، بل لتدرك كم فقدت منها. فالأماكن التي كانت تمنحنا الطمأنينة تصبح أكثر إيلاما حين نستحضرها، لا لأنها كانت قاسية، بل لأنها كانت جميلة إلى الحد الذي يجعل غيابها موجعا، ولأننا كلما تذكرنا كيف كانت، أدركنا حجم المسافة بين ما عشناه وما أصبحنا نعيشه.

لقد *ظننا أن الأيام ستخفف وطأة الفقد، لكن بعض الذكريات لا تنسى، لأنها ليست مجرد صور من الماضي، بل أجزاء من أرواحنا دفنت تحت ركام المدينة*، وبقيت تنادينا كلما اشتقنا إلى أنفسنا كما كنا هناك.

لم نهجر #مدينة_الزهراء فحسب، بل هدمت الجنة التي كانت تسكننا، وبقيت ذكرياتها تعيد إلينا جمال ما عشناه، ووجع ما لن يعود؛ فنحن لا نفقد المدينة مرة واحدة، بل نفقدها من جديد مع كل ذكرى، وكأننا لم نغادرها يوما، وكأن قلوبنا ما زالت تنتظر أن تعود الحياة إلى المكان الذي كان يوما وطنا للطمأنينة.
فالزهراء لم تعد مجرد مدينة نتذكرها، بل صارت ذكرى واحدة تكفي لأن ينبض الوجع فينا من جديد.

اخبار ذات صلة