مع اقتراب فصل الشتاء، تتجدد مخاوف مئات آلاف النازحين في خيام قطاع غزة من تكرار مشاهد الغرق التي عاشوها خلال المواسم الماضية، حين تسللت مياه الأمطار إلى أماكن نومهم، وبللت أغطيتهم وملابسهم، وأغرقت ما تبقى لديهم من مقتنيات، في ظل غياب المأوى الآمن وشح الإمكانات اللازمة لمواجهة المنخفضات الجوية.
وللعام الرابع تواليا، يفاقم منع الاحتلال إدخال مواد الإيواء، ولاسيما الكرفانات، إلى قطاع غزة معاناة النازحين، مع غياب مستلزمات الحماية من الأمطار والبرد، والدمار الواسع الذي خلفته حرب الإبادة الجماعية.
وفي مخيم جنات، غرب الكنيس، في منطقة خدمات بلدية رفح، جنوب قطاع غزة، تحاول الأسر النازحة الاستعداد للشتاء بما تيسر من وسائل، بعدما عانت على مدار موسمين من دخول مياه الأمطار إلى خيامها، التي تقع في كثير من الأحيان بمستوى أقل من الشوارع المحيطة بها، ما يجعلها عرضة لتدفق المياه وتجمعها داخل أماكن الإقامة.
وأمام هذه المخاوف، أطلقت بلدية رفح، بالتعاون مع جمعية بادر الإنسانية، مبادرة ميدانية لإقامة سواتر رملية حول خيام النازحين، من خلال توفير الرمال وأكياس تعبئتها وعربات نقلها، في محاولة استباقية للحد من تسرب المياه وحماية الأسر، ولا سيما الأطفال وكبار السن، من مخاطر الغرق والبرد خلال فصل الشتاء.
وقال النازح محمد صبح إن دخول مياه الأمطار إلى الخيام يمثل معاناة متكررة للأسر المقيمة في المخيم، موضحًا أن انخفاض مستوى الخيام عن الشوارع المحيطة يسهل تدفق المياه إليها، ويضاعف مخاوف السكان مع اقتراب موسم الأمطار.
وأضاف صبح لصحيفة "فلسطين" أن المبادرة تمثل خطوة مهمة للتخفيف من هذه المعاناة، لكن الكميات التي وصلت إلى المخيم لا تزال محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات، مشيرًا إلى وصول شاحنتي رمال فقط، في وقت تحتاج فيه عشرات الخيام إلى سواتر تحميها من المياه.
وأوضح صبح، الذي نزح من رفح في مايو/أيار 2024، أن الأسر تأمل في استمرار المبادرة وزيادة كميات الرمال وأكياسها، حتى تتمكن من حماية خيامها قبل اشتداد الأمطار، في ظل محدودية إمكاناتها وعدم قدرتها على تحمل أعباء إضافية.
من جهته، قال المهندس محمود يحيى القطروس، مسؤول اللجنة المجتمعية في مخيمات جنات، إن المنطقة تضم نحو 850 أسرة، يتراوح عدد أفرادها بين 4000 و4700 شخص، وتواجه صعوبات كبيرة خلال فصل الشتاء بسبب تجمع مياه الأمطار في الشوارع، وعدم وجود مسارات كافية لتصريفها.
وأوضح أن المياه تتجمع حول الخيام وتتسرب إلى داخلها، ما يعرض الأطفال والأثاث ومقتنيات الأسر للبلل والتلف، في وقت لا تمتلك فيه غالبية العائلات بدائل للسكن أو إمكانات لإصلاح الأضرار.
وبيّن القطروس أن المبادرة ساهمت في توفير الرمال وأكياسها وتوزيعها حول الخيام، مشيرًا إلى أن الأعمال المنفذة غطت حتى الآن خيام عشرات الأسر في مخيم جنات 5، مع الحاجة إلى استكمال العمل في بقية المخيمات والشوارع، وتوفير كميات إضافية تتناسب مع حجم الاحتياجات.
استعدادات بلدية رفح
بدوره، أكد المهندس هاني طافش، من بلدية رفح، أن المبادرة تأتي في إطار جهود البلدية للاستعداد لفصل الشتاء، بالتعاون مع جمعية بادر الإنسانية، عبر توفير الرمال والأكياس اللازمة لإقامة سواتر تحمي خيام النازحين من الغرق خلال المنخفضات الجوية.
وأشار طافش إلى أن حجم الاحتياجات في مخيمات النزوح الواقعة ضمن نطاق عمل البلدية يفوق الإمكانات المتاحة، ما يستدعي تدخل الجهات الدولية والإغاثية والمؤسسات المعنية، وتوفير الدعم اللازم لتوسيع نطاق هذه الجهود، بما يضمن الوصول إلى أكبر عدد ممكن من الأسر المهددة بتسرب مياه الأمطار إلى خيامها.
مبادرة بحاجة إلى التوسّع
من جانبه، قال المدير التنفيذي لجمعية بادر الإنسانية، د. إبراهيم صرصور، إن الجمعية تعمل بالتعاون مع بلدية رفح على توفير المعدات اللازمة لنقل الرمال وتعبئتها في أكياس، وإنشاء سواتر رملية حول خيام النازحين، بهدف الحد من مخاطر الغرق وحماية الأطفال وكبار السن خلال فصل الشتاء.
وأوضح صرصور أن المبادرة بدأت بالتعاون مع بلدية رفح، مع تطلع الجمعية إلى توسيع نطاقها ليشمل بلديات أخرى، لافتًا إلى أن المعدات المقدمة تهدف إلى مساندة فرق البلدية في خدمة مخيمات النازحين ضمن نطاق عملها.
ومع اقتراب الشتاء، تبقى هذه المبادرة خطوة وقائية مهمة، لكنها لا تمثل حلًا نهائيًا لأزمة الإيواء التي يعيشها النازحون، فحماية عشرات المخيمات تتطلب توفير كميات أكبر من الرمال وأكياسها، وتعزيز الاستعدادات الميدانية، إلى جانب تدخلات أوسع لمعالجة تجمع مياه الأمطار وتحسين ظروف الإقامة.
وفي ظل هشاشة الخيام وغياب البدائل الآمنة، يأمل النازحون أن تتوسع المبادرة وتتواصل قبل هطول الأمطار، حتى لا يجدوا أنفسهم مجددًا أمام مشهد المياه التي تغمر أماكن نوم أطفالهم، وتبلل أغطيتهم ومقتنياتهم، وتضاعف معاناتهم في رحلة نزوح لم تنتهِ بعد.


