فلسطين أون لاين

الإبادة المعرفية في فلسطين.. معركة الذاكرة والهوية ومقاومة المحو الاستعماري

ينطلق المشروع الاستعماري الإحلالي من إدراك عميق بأن السيطرة على الأرض لا تكتمل من دون السيطرة على الذاكرة، وأن من يمتلك القدرة على صياغة الماضي وتفسيره يستطيع التأثير في وعي الحاضر وتوجيه المستقبل، حيث يتسق الفكر الاستعماري مع ممارسات استيطانية عديدة، تتصل بمصادرة الأرشيفات، ونهب المكتبات، وإتلاف الوثائق، واستهداف المؤسسات التعليمية والثقافية، والوصول إلى حد تدمير كل المؤسسات التعليمية والتربوية ذات الصلة، لكي تشكل الأدوات المركزية في هذا المشروع الذي يستهدف محو هوية السكان أصحاب الأرض، وقطع صلتهم بتاريخهم، وإضعاف قدرتهم على إنتاج المعرفة ورواية تجربتهم بأنفسهم.

وفي الحالة الفلسطينية، تتجلى هذه السياسة في مسار طويل من الاستيلاء على الممتلكات الثقافية والوثائق التاريخية، ومحاولات طمس الذاكرة الجمعية، بالتوازي مع فرض سردية صهيونية بديلة، تضع المشروع الاستعماري في مركز التاريخ، وتختزل الوجود الفلسطيني في هوامش الرواية أو تنكر استمراريته أصلًا. وبهذا المعنى، تتجاوز الإبادة المعرفية تدمير مصادر المعرفة المادية إلى استهداف قدرة المجتمع على فهم ذاته، وحفظ تجربته، ونقلها إلى الأجيال اللاحقة.

مصادرة الذاكرة وإعادة إنتاج الرواية الاستعمارية

شكّلت المكتبات والأرشيفات الفلسطينية هدفًا مبكرًا للمشروع الصهيوني، ولا سيما خلال نكبة عام 1948، حين استولت القوات الصهيونية على آلاف الكتب والمخطوطات والوثائق والمقتنيات الثقافية من منازل الفلسطينيين ومؤسساتهم ومكتباتهم الخاصة في المدن والقرى التي احتُلت وهُجّر سكانها. وتمثل هذه الأرشيفات جزءًا من الذاكرة الاجتماعية والفكرية والثقافية لمجتمع اقتُلع من مدنه وقُطعت صلته بمؤسساته ومصادر معرفته.

وتواصلت هذه الممارسات خلال احتلال عام 1967، بما شمل القدس الشرقية ومؤسساتها ومكتباتها ووثائقها. وقد أُودعت مجموعات من الكتب والمواد المصادَرة في المكتبة الوطنية الإسرائيلية، التي تُعرف اليوم بالمكتبة الوطنية لإسرائيل، حيث حُفظ جزء منها ضمن مجموعات صُنّفت وفُهرست وفق الأطر المؤسسية الإسرائيلية.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة؛ لأنها تكشف عن وجه آخر من وجوه السيطرة الاستعمارية، حيث يسعى الاحتلال إلى الاستيلاء على الذاكرة ومصادر المعرفة، بالتوازي مع سيطرته على الأرض، حيث تشكل الأولى الإطار النظري والفكري والتوثيقي لتاريخ أصحاب هذه الأرض وعلاقاتهم الاجتماعية والثقافية، وتعطي الثانية الاحتلال القدرة على فرض الحقائق من خلال السيطرة العملية.

الإحلال المكاني ومحو الذاكرة الجغرافية

يتصل العنف المعرفي بالعنف المكاني اتصالًا وثيقًا؛ إذ لا يقتصر المشروع الاستعماري على السيطرة على الجغرافيا، ولكنه يعمل كذلك على إعادة تعريفها وتغيير دلالاتها التاريخية والثقافية. ويتجلى ذلك في تغيير أسماء المدن والقرى والشوارع والمعالم، وفرض مسميات عبرية على المواقع الفلسطينية، وطمس المعالم المرتبطة بتاريخ السكان الأصليين، وإعادة تشكيل المشهد العمراني بما يخدم الرواية الاستعمارية.

وتؤدي هذه الممارسات وظيفة تتجاوز التغيير الشكلي للأسماء والمعالم؛ فهي تستهدف العلاقة بين الإنسان ومكانه، وتسعى إلى إضعاف الروابط التي تصل المجتمع بذاكرته الجغرافية، وبموروثه الديني والثقافي، وبالتجارب التي تراكمت عبر الأجيال.

وحين يُعاد تقديم المكان باعتباره امتدادًا حصريًا لتاريخ المستعمِر، يصبح الوجود الفلسطيني في الرواية المفروضة عنصرًا طارئًا، حتى عندما تشهد المعالم والوثائق والذاكرة الحية بعكس ذلك.

وتتخذ هذه السياسات في القدس صورة أكثر كثافة، بالنظر إلى مكانة المدينة الدينية والتاريخية، وإلى مركزيتها في الهوية الوطنية الفلسطينية.

فإلى جانب الاستيطان وهدم المنازل وتغيير الطابع العمراني، تتواصل محاولات إعادة تشكيل المشهد التاريخي للمدينة، وترويج المسميات التوراتية، وتقديم المواقع الأثرية والدينية ضمن سردية أحادية تتجاهل تعدد طبقاتها الحضارية وارتباطها بالتاريخ العربي والإسلامي والمسيحي. وبهذا، يتحول الصراع على المكان إلى صراع على المعنى والذاكرة وحق المجتمع في تعريف مدينته وتاريخها.

التعليم تحت الاستهداف: من تقييد المعرفة إلى تعطيل إنتاجها

تمثل المؤسسات التعليمية أحد أبرز ميادين الصراع على الوعي؛ لأن المدرسة والجامعة لا تنقلان المعرفة فحسب، ولكنهما تسهمان في تشكيل الهوية والوعي التاريخي والقدرة على التفكير النقدي.

ولذلك، فإن التدخل في المناهج، وتقييد المحتوى التعليمي، واستهداف المعلمين والطلبة والمؤسسات الأكاديمية، تمثل أدوات يمكن أن تُستخدم لإضعاف الصلة بين الأجيال الجديدة وتاريخها الوطني، أو للحد من قدرتها على إنتاج معرفة مستقلة عن الرواية المهيمنة.

وفي فلسطين، تتنوع معاناة قطاع التعليم ما بين محاولات الكيان فرض المناهج الإسرائيلية أو تشويه المحتوى المتصل بالهوية الوطنية، وصولًا إلى تدمير المدارس والجامعات، وقتل المعلمين والطلبة، وتهجير العائلات، وتعطيل العملية التعليمية. وقد بلغ هذا الاستهداف مستويات كارثية في قطاع غزة منذ بدء الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، حيث تعرضت المؤسسات التعليمية لدمار واسع، وفقد الطلبة سنوات من التعليم المنتظم، واضطر كثير منهم إلى مواصلة التعلم في ظروف النزوح والخيام ومراكز الإيواء، وسط نقص شديد في الكتب والأجهزة والاتصال بالإنترنت والمساحات الآمنة للتعلم.

ومع استمرار الحرب وعدم وجود آفاق لوقف العدوان، ستستمر معاناة الغزيين، وتتضاعف التحديات ما بين ترميم المباني وإعادة بنائها، واستعادة الكوادر التعليمية، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي، ومعالجة الفاقد التعليمي الذي تراكم لدى أجيال كاملة.

أما في الضفة الغربية، بما فيها الشطر الشرقي من القدس المحتلة، فتواجه العملية التعليمية عقبات متزايدة ناجمة عن الحواجز العسكرية والإغلاقات والاقتحامات والاعتقالات، إلى جانب الاعتداءات على المدارس والطلبة والمعلمين، والقيود التي تعرقل وصولهم إلى مؤسساتهم التعليمية. وتتعرض المدارس الفلسطينية في القدس، على وجه الخصوص، لضغوط تتصل بالمناهج والتراخيص والتمويل، في سياق محاولات التأثير في البيئة التعليمية وهويتها الوطنية. وتؤدي هذه الظروف مجتمعة إلى تقطّع انتظام الدراسة، وارتفاع الأعباء الاقتصادية والنفسية على الأسر، وتراجع فرص الوصول المتكافئ إلى التعليم.

وإضافة إلى حرمان الطلبة الفلسطينيين من حق أساسي فحسب، تسعى سلطات الكيان إلى إضعاف قدرة المجتمع الفلسطيني على نقل المعرفة وتطويرها، وإنتاج الكفاءات اللازمة للحفاظ على مؤسساته وذاكرته ومشروعه الوطني. ويأتي التدمير الممنهج للمؤسسات التعليمية ليشكل ذروة هذا العدوان، ويحرم الطالب من بيئة تعليمية مستقرة، ويؤثر على الحاضر، ويعرّض شروط إعادة بناء المستقبل نفسه للخطر.

المقاومة المعرفية: استعادة الوعي ومواجهة المحو

تمتد تداعيات الإبادة المعرفية من طمس الماضي، كما أسلفنا، إلى تشويه الحاضر وتقويض إمكانات المستقبل. فحين تُدمّر مصادر المعرفة، وتُفرض سردية أحادية، وتُستهدف المؤسسات التي تنتج الثقافة وتنقلها، يصبح المجتمع معرضًا لأشكال مركبة من الاغتراب عن الذات، وقد تتراجع قدرته على تفسير تجربته التاريخية انطلاقًا من مرجعياته وقيمه ومصالحه.

وفي هذه الحالة، لا يعود الصراع على الهوية مسألة رمزية منفصلة عن الواقع، ولكنها جزء أساسي من الصراع على القدرة على الصمود والبقاء وإعادة بناء المجتمع.

من هنا، تبرز المقاومة المعرفية باعتبارها ضرورة تحررية، لا تقتصر على تفنيد الرواية الصهيونية أو إنتاج خطاب مضاد، بل تشمل بناء منظومة متكاملة لحماية الذاكرة الفلسطينية وصيانة مصادرها وإعادة إتاحتها للأجيال الحالية والقادمة.

ويشمل ذلك توثيق الأرشيفات والمجموعات الخاصة، ورقمنة الوثائق والمخطوطات، وتطوير قواعد بيانات مفتوحة، وتعزيز البحث العلمي المستند إلى المصادر الأصلية، ودعم المكتبات والمؤسسات الثقافية، وحماية المناهج التعليمية من محاولات التزييف والاقتلاع.

كما تقتضي هذه المقاومة تطوير برامج تعليمية وثقافية تربط الأجيال الجديدة بتاريخها وأمكنتها، وتعزز قدرتها على القراءة النقدية للروايات المتنافسة، وتدعم استقلال المؤسسات الأكاديمية والإعلامية والثقافية.

وفي القدس، يتقدم على وجه الخصوص توثيق التراث العمراني والديني، وحماية الرواية التاريخية للمدينة، وصون هوية المسجد الأقصى والمقدسات، ودعم المدارس والمكتبات والمؤسسات الفلسطينية، بوصفها عناصر أساسية في الحفاظ على الوجود الوطني في مواجهة التهويد.

ولا يمكن فصل هذه الجهود عن المطالبة بالحقوق القانونية والأخلاقية المتعلقة بالممتلكات الثقافية المصادَرة، وفي مقدمتها حق أصحابها في الوصول إليها واسترداد ما يمكن استرداده، فضلًا عن مساءلة الجهات المسؤولة عن تدمير المؤسسات التعليمية والثقافية أو تعطيلها.

إن المعركة المعرفية في فلسطين، في جوهرها، معركة على حق الفلسطينيين في أن يكونوا أصحاب روايتهم، وأن يحفظوا تاريخهم، وأن ينقلوا ذاكرتهم إلى أبنائهم من دون وصاية استعمارية. وكل وثيقة تُنقذ، ومكتبة تُرمَّم، ومدرسة تستعيد دورها، ومعلومة تُوثَّق، ومعلم تاريخي تُحمى هويته، تمثل خطوة في مواجهة مشروع المحو. فالمستعمر يحاول السيطرة على الأرض، ويعمل على احتكار المعنى والرواية اللذين تُروى بهما الأرض وتاريخها؛ ومقاومة هذا الاحتكار شرط أساسي لحماية الهوية الوطنية الفلسطينية، وصون الوجود، وفتح الطريق أمام مستقبل لا يُكتب بأقلام المحتلين.

المصدر / فلسطين أون لاين