مع كل نسمة باردة تهبُّ نحو الخيام، تتجه أنظار آلاف العائلات النازحة في قطاع غزة نحو السماء بقلق، خشية أمطار تتسرب إلى خيامها المهترئة، ورياح قد تقتلع ما تبقى من أغطيتها الهشّة، بعدما دمر جيش الاحتلال الإسرائيلي منازلها في حرب الإبادة، وتركها في العراء تواجه تقلبات الطقس.
داخل خيمة لا توفر الحد الأدنى من الحماية، تحاول المسنة سعدية جندية، تدبير شؤون حياتها اليومية، مستندة إلى أغطية بالية وشوادر مهترئة لا تقوى على مواجهة الأمطار الغزيرة أو الرياح الشديدة.
ومنذ تدمير منزلها في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، تعيش جندية وحفيداها اليتيمان على وقع النزوح، متنقلة بين ظروف قاسية، في حين يقترب الشتاء محمّلًا بمخاوف جديدة.
تقول سعدية التي تُعاني السرطان لصحيفة "فلسطين": إننا لم نعد نطلب سوى مكان آمن يجمع أفراد العائلة ويحمي أطفالنا من البرد والمطر، بدل البقاء تحت سقف من القماش لا يصمد طويلًا أمام تقلبات الطقس".
وتضيف أن الحصول على بيت متنقل، ولو بمساحة محدودة، قد يخفف جانبًا من معاناة العائلة، ويوفر لها قدرًا من الاستقرار والخصوصية بعد شهور طويلة من التشرد وفقدان المسكن.
ويحول تنصل الاحتلال الإسرائيلي من استحقاقات اتفاق وقف إطلاق النار دون السماح بإدخال لوازم الإيواء، ومن أهمها البيوت المتنقلة التي يحتاج إليها النازحون لتكون إيواء مؤقتا إلى حين البدء بعملية الإعمار.
ويأتي هذا التنصل على الرغم من الجهود الأمريكية للتوصل إلى اتفاق وقف النار الذي بدأ سريانه يوم 10 أكتوبر/ تشرين الأول 2025، بوساطة مصر وتركيا وقطر.
ولا تختلف حال عائلة عامر خِلة كثيرًا، إذ تعيش بدورها في خيمة أقيمت في مخيم إيواء عشوائي غرب مدينة غزة بعدما ضاقت به السبل إثر تدمير جيش الاحتلال منزله في مخيم جباليا، شمالي القطاع.
ومع اقتراب موسم الأمطار، تزداد مخاوف أفراد عائلته من تسرب المياه إلى أماكن نومهم في خيمة صغيرة، وابتلال الأغطية والملابس، واضطرارهم إلى قضاء ليالٍ باردة في ظروف تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
ويقول خلة لـ"فلسطين": إن الخيمة لم تعد صالحة لمواجهة الأمطار والرياح، وإنها تحتاج إلى مواد لإصلاحها وتقويتها، فضلًا عن فراش وأغطية تحمي أفراد العائلة من البرد والرطوبة.
لكن هذه العائلة مع محدودية الإمكانات وصعوبة الحصول على مستلزمات الإيواء، لا تجد بديلًا متاحًا سوى انتظار ما يسمح الاحتلال بإدخاله من مساعدات إغاثية.
وتختصر حكايتا العائلتين واقعًا يعيشه النازحون في مناطق متفرقة من القطاع، حيث لم يؤدِّ توقف الإبادة الشاملة واسعة النطاق بموجب اتفاق وقف إطلاق النار إلى إنهاء أزمة النزوح والإيواء في ظل الدمار الواسع الذي طال المنازل والبنية التحتية، واستمرار المخاوف من تجدد القصف وتدهور الأوضاع الإنسانية.
وبحسب تقارير رسمية ودولية، فإن نسبة الدمار جراء الحرب المروعة بلغت قرابة 80 بالمائة من مساحة قطاع غزة البالغة 365 كيلومترًا مربعًا، في حين يسيطر جيش الاحتلال على نحو 70 بالمئة من مساحته خلف ما يسمى "الخط الأصفر".
ومع اقتراب الشتاء، تتجاوز مطالب العائلات النازحة توفير خيام جديدة، لتشمل إدخال بيوت متنقلة ووحدات إيواء أكثر متانة، إلى جانب الشوادر والأخشاب وأدوات تثبيت الخيام والفرش والأغطية والملابس الشتوية، بما يضمن الحد الأدنى من الحماية من البرد والأمطار والرياح.
وتواجه هذه الاحتياجات تحديات مرتبطة بالقيود التي يفرضها الاحتلال الإسرائيلي على إدخال مستلزمات الإيواء، فضلًا عن نقص التمويل والإمدادات الإنسانية، ما يحد من قدرة المؤسسات الإغاثية على توسيع استجابتها قبل اشتداد الأحوال الجوية.
وفي التاسع من أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، حذرت المنظمة الدولية للهجرة خلال إحاطة أممية، من أن نحو مليوني شخص في غزة يحتاجون بصورة عاجلة إلى مساعدات الإيواء، في حين لا يُغطي المتاح من الإمدادات المخصصة لفصل الشتاء سوى 17 بالمائة من الاحتياجات المقدرة.
وأكدت أن نصف الخيام ومساكن الإيواء المؤقتة القائمة في حالة سيئة أو سيئة جدًا، وأن كثيرًا من مواقع النزوح بغزة معرضة لخطر الفيضانات.
وتعني هذه الأرقام أن آلاف الأسر قد تدخل موسم الأمطار من دون حماية كافية، في وقت لا تستطيع فيه الخيام المتهالكة توفير الأمان اللازم، ولا تملك غالبية العائلات القدرة المالية على شراء بدائل أكثر متانة.



