☰
✕

قائمة الموقع

ثلاثون ثانية من الجحيم.. حسام الخالدي ناجٍ من مجزرة راحت عائلته ضحيتها

2026-10-15T09:47:00+03:00
ثلاثون ثانية من الجحيم.. حسام الخالدي ناجٍ من مجزرة راحت عائلته ضحيتها
فلسطين أون لاين

قبل نصف ساعة من القصف، كان والد حسام الخالدي يضحك داخل المنزل الذي استأجرته العائلة في مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، بعد نزوحها من الشمال بحثًا عن الأمان. وثّق حسام تلك اللحظات بهاتفه من دون أن يعلم أنها ستكون آخر ذكرياته مع والده قبل أن ينهار المنزل فوق رؤوس سكانه، ويجد نفسه محاصرًا تحت الركام، عاجزًا عن إنقاذ أقرب الناس إليه.

انهارت العمارة السكنية المكوّنة من أربعة طوابق، وكان بداخلها أكثر من أربعين شخصًا، بينهم نحو عشرين طفلًا، وفق روايته. وفي الغرفة التي كان يوجد فيها حسام مع أمه وأبيه وأخيه وعدد من أطفال العائلة، حوصر الجميع تحت الأنقاض، ولم ينجُ منهم سواه.

تحت الأنقاض

حاول حسام الصمود رغم الألم، بعدما حاصرت الأنقاض جسده، وبقيت ساقه عالقة تحت الركام. ومع اشتداد الوجع، راودته فكرة قطعها، لكنه واصل تشجيع من حوله على الصبر، وأخبرهم بأن فرق الإنقاذ ستصل إليهم.

في تلك الأثناء، كان يسمع صرخات المحاصرين واستغاثاتهم، من دون أن يستطيع الوصول إليهم. وكان يعتقد أن سقوط سقف المنزل عليه قد يكون الحادث الوحيد الذي أصابه، وأن أفراد عائلته ربما يخرجون سالمين، لكنه لم يكن يعرف ما حل بهم.

وبعد إخراجه بصعوبة، نُقل إلى المستشفى، إذ قيل له: إن إصابته قد تكون مصحوبة بنزيف في الدماغ نتيجة سقوط السقف عليه. وهناك بدأت الصدمة الأكبر، عندما أخذت جثامين أفراد عائلته تصل تباعًا.

فقدان العائلة

كانت جثة والدته أول ما شاهده. ويصف حسام أمه بأنها كانت أقرب الناس إليه وأكثرهم دعمًا له، وأنه كان يسعى إلى إسعادها وتحقيق أمنياتها. وقبل نحو ساعة من القصف، أخبرته أنها تتمنى أن تفرح هي ووالده بخطبته، وأن يشهدا فرحه، فأجابها بأنه يأمل أن يعيشا تلك اللحظات معًا.

وبعدها وصل والده مصابًا، فتعلق حسام بأمل نجاته، لكنه لم يلبث أن أُبلغ باستشهاده بعد دقائق.

ثم توالت جثامين الأطفال، ومن بينهم أبناء أخيه وبناته، وطفلة من العائلة لم تتجاوز الثانية من عمرها. واستعاد حسام حديث طفلة كانت تخشى النوم، وتقول قبل أن تغفو: "يا بابا، أنا لا أريد أن أنام، لا أريد أن أموت". كانوا يطمئنونها بأن شيئًا لن يصيبها، قبل أن تفقد حياتها تحت الركام.

ويقول حسام: إن أكثر من ثمانية أفراد من عائلته استشهدوا في المجزرة، إلى جانب ضحايا آخرين كانوا داخل المبنى، ولم يكن يتوقع أن تنتهي رحلة نزوح أسرته من شمال القطاع إلى جنوبه بهذه الخسارة، بعدما استأجرت منزلًا ظنّت أنه سيوفر لها الحماية.

صرخات مسجلة

خلال وجوده تحت الركام، أمسك حسام هاتفه محاولًا توثيق ما يجري. لكنه، بدلًا من تشغيل الإضاءة، بدأ التصوير، وسجّل مقطعًا لم تتجاوز مدته ثلاثين ثانية، سمعت فيه أصوات المحاصرين، بينهم طفلة تكرر طلبها للمحيطين بها بأن يقولوا: "يا رب"، ثم تستغيث وتسأل عن مكان من تحاول الوصول إليه.

لم يستطع حسام مواصلة التصوير؛ إذ كانت الصرخات تحيط به، بينما لم يكن قادرًا على مساعدة أحد.

وبقي المقطع حاضرًا في ذاكرته، حتى بات يستعيد أصواته يوميًا، ويصفه بأنه أحد أكثر ما يؤلمه منذ فقدان عائلته.

وكان حسام قد اعتاد تصوير الأحداث واللحظات التي يعيشها، لذلك احتفظ أيضًا بمقطع لوالده وهو يضحك قبل القصف بنصف ساعة. وأصبحت تلك التسجيلات من الذكريات القليلة التي بقيت لديه بعد فقدان أسرته ومنزله.

حياة مختلفة

يقول حسام: إنه لا يزال يجد صعوبة في استيعاب ما حدث، وإنه يشعر أحيانًا بأن أفراد عائلته ما زالوا على قيد الحياة. فقد خسر والديه وأخاه وأطفالًا من العائلة، كما فقد المنزل الذي جمعهم، ليجد نفسه مضطرًا لبدء حياته من جديد وسط ظروف النزوح والقصف والجوع التي يعيشها سكان القطاع.

ويشتاق إلى والدته وكلماتها ودعمها، في حين تظل لحظات ما قبل القصف حاضرة في ذاكرته، من ضحكات والده إلى حديث أمه عن أملهما في حضور خطبته.

ويوجه حسام نداءً إلى العالم لمواصلة نقل ما يجري في غزة، وعدم نسيان الضحايا وعائلاتهم، داعيًا ضحايا الحرب إلى الاحتفاظ بذكرياتهم مع آبائهم وأمهاتهم وتصوير لحظاتهم معهم، لأن تلك التفاصيل قد تصبح كل ما يتبقى منهم بعد الفقد.

اخبار ذات صلة