قال القائم بأعمال المفوض العام لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، كريستيان سوندرز، إن "إسرائيل" لم تردّ على طلب تقديم أدلة إضافية بشأن اتهامات وجهتها إلى 100 من موظفي الوكالة، وأكّد أهمية دور الوكالة في إغاثة غزة وإعادة إعمارها، محذراً في الوقت نفسه من أن نقص التمويل بنحو 70 مليون دولار قد يضطرها إلى إنهاء خدمات أعداد كبيرة من العاملين إذا لم تصل مساهمات إضافية قريباً.
جاء ذلك، في كلمة لسوندرز خلال استضافته في الأكاديمية الدبلوماسيّة في برلين، نقل تفاصيله موقع "diplo.news"، الأربعاء، أوضح سوندرز أن حكومة الاحتلال قدمت قائمة تضم 100 موظف زعمت انتماءهم إلى الأجنحة العسكرية لفصائل فلسطينية مسلحة، وأنه وجّه رسالة يطلب فيها أدلة إضافية في أيلول/سبتمبر 2025، من دون أن يتلقى إجابة.
وقال إن "أونروا" تزود حكومة الاحتلال بقوائم موظفيها الميدانيين منذ قرابة عقدين، مشيراً إلى أن الوكالة لا تملك جهاز شرطة أو استخبارات، وأن التحقيقات الجنائية والملاحقات المتعلقة بالأنشطة المسلحة تقع على عاتق الدول الأعضاء.
ولم يستبعد سوندرز وجود موظفين تعاطفوا مع حركة حماس أو ساعدوها، وفق قوله، وقال: "هل أجزم بأنه لا يوجد بين من عملوا لدى الأونروا أي شخص يؤيد حماس أو ساعدها؟ لا، لن أفعل."
واعتبر رفض "إسرائيل" مشاركة الوكالة في تعافي غزة يستند إلى دوافع سياسية، وقال: "تقديري أن هذا موقف سياسي بوضوح"، مؤكداً أن وجود "أونروا" الطويل وخبرتها يجعلانها ضرورية للاستجابة الإنسانية وإعادة الإعمار.
وأوضح أن الوكالة تضم نحو 10,500 موظف في مكتبها الإقليمي بقطاع غزة، مقابل نحو 200 موظف لدى ثاني أكبر وكالة أممية هناك، فيما يبلغ إجمالي العاملين في "أونروا" قرابة 30 ألفا في غزة والضفة الغربية، بما فيها شرقي القدس، والأردن ولبنان وسوريا.
وفي موازاة الضغوط السياسية، حذّر سوندرز من أزمة تمويل تهدد قدرة الوكالة على الاستمرار، وقال :"ما زلنا بحاجة إلى نحو 70 مليون دولار"، وأضاف: "إذا لم نحصل على أموال إضافية قريباً، فسأضطر إلى إجراء تخفيضات."
وأشار إلى أن نحو 90% من الميزانية تذهب إلى الرواتب، ما يعني أن التخفيضات ستؤدي إلى إنهاء خدمات "عدد كبير إلى حدّ بعيد من الأشخاص"، من دون تحديد عدد الموظفين الذين قد تشملهم هذه الإجراءات أو موعد اتخاذها.
وعرض تراجع مساهمات الجهات المانحة، مع توقف الولايات المتحدة والسويد عن تمويل الوكالة، وانخفاض الدعم الخليجي. ووفق المعطيات التي أوردها، تقدم السعودية حالياً مليوني دولار، فيما أوقفت الإمارات مساهماتها بالكامل.
وفي قائمة أكبر 20 جهة مانحة لعام 2025، حتى 31 كانون الأول/ديسمبر، كانت قطر الدولة الخليجية الوحيدة المدرجة، بمساهمة بلغت 10 ملايين دولار، بينما قدمت الكويت مليوني دولار وعُمان مليون دولار، وأصبح الاتحاد الأوروبي وألمانيا أكبر المساهمين.
وقال سوندرز إن موقف ألمانيا تجاه الوكالة تحسّن مع اطلاعها على جهود الإصلاح، معرباً عن اعتقاده بأنها تدرك أن دعم الفلسطينيين في أماكن وجودهم والحفاظ على استقرار المنطقة أقل كلفة من البدائل.
وأشار إلى أن الدعم الألماني ظل مشروطاً بالإصلاح؛ إذ أوقفت برلين الموافقة على تمويل جديد للوكالة في غزة في كانون الثاني/يناير 2024، عقب الاتهامات "الإسرائيلية" بحق 12 موظفاً، قبل أن تعلن استئناف التعاون في نيسان/أبريل من العام نفسه، إثر صدور مراجعة كولونا المستقلة لحياد الوكالة.
كما امتنعت ألمانيا، في تشرين الثاني/نوفمبر 2025، للمرة الأولى عن التصويت على تمديد ولاية "أونروا"، في خطوة قال وزير خارجيتها يوهان فاديفول، وفق مجلة "دير شبيغل"، إنها تعكس توقع بلاده حدوث "تغيير كبير"، خصوصاً في عمل الوكالة بالأراضي الفلسطينية.
عقود من الإعمار
وعن واقع غزة، قال سوندرز إن إعادة الإعمار ستستغرق عقوداً. واستند التقرير إلى تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "أونكتاد"، الصادرة في أيلول/سبتمبر، والتي حددت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 71.5 مليار دولار، خلال فترة لا تقل عن 10 إلى 20 عاماً، مع تضرر أو تدمير نحو 92% من المنشآت الاقتصادية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023.
وحذّر من مخاطر الشتاء المقبل في ظل تدمير البنية التحتية، واحتمال تكرار الفيضانات الشديدة التي شهدها القطاع عام 2025، قائلاً: "الأشخاص الذين ينامون الآن على الأرض داخل الخيام سينامون وسط تلك المياه."
وبحسب المعطيات، تضرر نحو 82% من مباني غزة، أي قرابة 200 ألف مبنى، فيما تضررت أو دُمّرت 95% من المدارس، وتحول معظمها إلى مراكز إيواء. وتقدم "أونروا" دعماً نفسياً لأكثر من نصف مليون شخص، معظمهم أطفال يعانون من الاكتئاب والصدمات النفسية، بالتزامن مع بدء العام الدراسي قبل أيام.
ونقلاً عن منظمة الأغذية والزراعة "الفاو"، إلى أن 3% فقط من الأراضي الزراعية في غزة بقيت قابلة للوصول وغير متضررة في الوقت نفسه، وأن هذه المساحة تقلصت بنسبة 25.5% منذ تشرين الأول/أكتوبر 2025.
وقال سوندرز إن زيادة دخول الغذاء خلال العام الماضي من "وقف إطلاق النار المزعوم" لا تعني حصول السكان على تغذية متوازنة، موضحاً أن الفاكهة والخضراوات غير متاحة عملياً.
وشدد على أن التعافي يجب أن يشمل استعادة مصادر الرزق وخلق فرص العمل، خصوصاً للشباب، إلى جانب إصلاح المباني وإيصال المساعدات، معتبراً أن توفير العمل يحدّ من احتمالات التطرف.
وتناول أيضاً هدم مقر الوكالة في شرقي القدس واستيلاء كيان الاحتلال على منشآتها، بما فيها مركز تدريب قلنديا، الذي كان يقدم تدريباً مهنياً للشباب الفلسطينيين، وأشار إلى تخصيصه لاستخدامات تشمل متحفاً للجيش الإسرائيلي ومكتباً للتجنيد ومكتباً لوزير الدفاع.
وأكد سوندرز أن استمرار خدمات "أونروا" ومساهمتها في إعادة الإعمار يرتبطان بتأمين التمويل وإتاحة الوصول والقدرة على العمل، قائلاً إنه لا يتوقع تأييداً علنياً من "إسرائيل" أو الولايات المتحدة للوكالة، "لكن إذا أتاحتا لنا المجال للعمل والمساعدة في إعادة الإعمار، فهذا كل ما نحتاج إليه".


