ليس بعيدا عما يسمى "الخط الأصفر" الآخذ بالتمدد في حي الشجاعية شرق مدينة غزة، يقف منزل أشرف إياد السوسي (41 عامًا) مهددًا بالخطر، مثقلًا بآثار الحرب والإهمال، لكنه بالنسبة إليه لا يزال المكان الذي اختار أن يتمسك به مهما تبدلت الظروف.
فمنذ بداية الحرب، رفض أشرف النزوح إلى جنوب القطاع، بالرغم من المناشير التي ألقتها طائرات الاحتلال على سكان المنطقة، وأوامر الإخلاء القسري.
منذ بداية حرب الإبادة قبل ثلاث سنوات اتخذ قراره بألا يترك بيته، وتحمل ولا يزال كلفة تشبثه بأرضه. يقول السوسي لصحيفة "فلسطين": "كانوا يلقون المناشير ويأمروننا بالنزوح جنوبًا، لكنني رفضت، كنت أريد أن أبقى في بيتي وأصمد فيه مهما كانت الظروف".
لم يكن يعرف أن تمسكه بمكانه سيقوده بعد أيام، آنذاك، إلى مواجهة غيّرت مسار حياته، ففي 13 ديسمبر/كانون الأول 2023، تعرض منزل جيرانه للقصف، لم يتردد السوسي في التوجه إليه لمحاولة إسعاف من بداخله، رغم أن المنطقة كانت شديدة الخطورة، ويصعب على طواقم الدفاع المدني وسيارات الإسعاف والصليب الأحمر الوصول إليها.
دخل المنزل المدمّر بحثًا عن المصابين، لكن القصف لم يتوقف، وبينما كان في المكان، تعرض المنزل لقصف آخر، لتكون الضربة الثانية هي التي قلبت حياته رأسًا على عقب.
بُترت قدمه في لحظات. يستعيد السوسي المشهد قائلًا: "بعد القصف كنت أقع على الأرض، ثم أحاول أن أقف وأقع مرة أخرى، ففي البداية لم أستوعب أنني أصبت. بعد لحظات أدركت أن هناك شيئًا خطيرًا حدث لي، فسقطت وبدأت أزحف وأنا أنادي على أهلي".
ظل ينادي حتى فقد وعيه، قبل أن يُنقل إلى المستشفى الأهلي العربي "المعمداني"، حيث كان النزيف قد استنزف معظم قدرته على البقاء.
ويضيف: "عندما استيقظت أخبرني الطبيب أنهم أجروا لي عملية، وأن مستوى الدم عندي وصل إلى 6. كنت قد فقدت كمية كبيرة من الدم، وقال لي إنني كنت في حالة حرجة جدًا".
فصل جديد
لم تكن الإصابة وحدها ما ينتظره، فقد خرج أشرف من المستشفى ليبدأ فصلًا جديدًا من حياته، لكن هذه المرة بقدم واحدة، ومن دون كرسي متحرك أو عكازين، وفي منطقة ما تزال تحت القصف.
ومع ذلك، لم يغيّر قراره الأول، "حتى بعد أن فقدت قدمي، لم أفكر في النزوح جنوبًا"، وفق حديث السوسي. "كنت مصابًا ولا أستطيع الحركة، لكنني كنت متمسكًا ببيتي".
وحين كان الخطر يقترب، كان الجيران يساعدونه على الانتقال من مكان إلى آخر بواسطة عربة يجرها حمار، وعند الوصول، كانوا يحملونه من العربة إلى السرير، في محاولة لتوفير الحد الأدنى من الأمان لرجل لم يعد قادرًا على السير وحده.
فلم تكن رحلة النزوح بعيدة عن الشمال، لكنها كانت متكررة داخله، أجبر السوسي على الانتقال بين مناطق مختلفة في شمال القطاع نحو 8 إلى 10 مرات، بحثًا عن مكان أقل خطرًا، لكنه في كل مرة كان يعود إلى المساحة ذاتها التي قرر ألا يغادرها.
"تنقلت كثيرًا داخل الشمال، لكنني لم أخرج منه"، يتابع. "كلما اشتد القصف كنت أبحث عن مكان آخر، وعندما يهدأ الوضع أعود، لم تكن لدي قدرة على التنقل، وكان الجيران يساعدونني".
ومع مرور الوقت، تمكن السوسي من استخدام العكازين، لكن استعادة الحركة لم تكن سهلة، فقد كان جسده يعاني من الهزال ونقص الغذاء، فيما ظل جرحه مفتوحًا لفترة طويلة.
ويتابع: "كنت أحاول المشي بالعكازين، لكن جسمي كان ضعيفًا جدًا، الجرح لم يلتئم إلا بعد نحو ثلاثة أشهر من الإصابة، خاصة أنني فقدت ثلثي كمية الدم في جسدي، ولم تكن هناك تغذية تساعدني على التعافي".
اليوم عاد السوسي إلى منزله في الشجاعية، رغم قربه من الخط الأصفر، ورغم أن البناء نفسه بات آيلًا للسقوط، ورغم أن أصوات القصف لا تزال حاضرة في يومه وليلته.
وعندما يشعر باقتراب الخطر، ينزل إلى الطابق الأرضي، محاولًا الاحتماء بما تبقى من منزله، "أعرف أن البيت قريب جدًا من منطقة الخطر، وأعرف أنه لم يعد كما كان، لكنه بيتي"، يقول.
لكن الصمود بالنسبة إلى السوسي لم يعد مجرد قرار بالمكان؛ فهو يواجه حياة جديدة فرضتها الإصابة، فقد فقد مصدر دخله، وأصبحت حركته محدودة، فيما يحتاج إلى رعاية وعلاج لم يتمكن من الحصول عليهما بالشكل الذي يحتاجه.
ويوضح أن العملية التي أجريت له بعد إصابته حالت دون تمكنه حتى الآن من تركيب طرف صناعي، الأمر الذي زاد من صعوبة استعادة حياته السابقة.
"أريد أن أسافر للعلاج، وأنتظر دوري حتى أتمكن من الخروج. أحتاج إلى علاج متخصص، وأحتاج إلى طرف صناعي حتى أستطيع أن أتحرك وأعتمد على نفسي»، وفق حديثه.
في الشجاعية، لا يقيس السوسي ما تبقى له بما فقده فقط. صحيح أنه فقد قدمًا ومصدر دخله، وخسر جزءًا كبيرًا من قدرته على الحركة، لكن ما يزال متمسكًا بمنزله وبحقه في أن يعيش فيه.
وبعد قرابة ثلاث سنوات من إصابته، لم تعد معركته فقط مع آثار الجرح القديم، بل مع يوميات حياة جديدة فرضتها الإصابة والحرب والنزوح المتكرر، وبين جدران منزل يقترب من منطقة الخطر، يختصر أشرف حكايته بجملة تختزل سنوات من الخوف والألم: "أنا فقدت قدمي، لكنني لم أفقد قدرتي على الصمود، أريد فقط أن أحصل على العلاج، وأعيش وأتحرك مثل أي إنسان".



