تتنقل الحاجة فاطمة كلوب، بين المحال التجارية في مدينة غزة، بحثًا عن بعض احتياجاتها الأساسية حاملة في يدها ورقة نقدية من فئة 100 شيقل، لكنها تصطدم في كل مرة برفض عدد من الباعة قبولها بذريعة عدم توافر الفكة أو مطالبتها بشراء سلع بقيمة المبلغ كاملاً أو تحويل أموالها إلى رصيد إلكتروني والدفع عبر التطبيقات المصرفية.
وتقول فاطمة، إنها اضطرت خلال جولة التسوق إلى ترك بعض احتياجاتها التي لم تتجاوز قيمتها 47 شيقلاً، بعدما عجزت عن إتمام عملية الشراء بسبب رفض البائع إعادة المبلغ المتبقي لتنتقل إلى محل آخر على أمل العثور على من يقبل التعامل بالنقد، لكنها واجهت المشكلة ذاتها.
وتضيف لصحيفة "فلسطين" أن معاناتها تتفاقم لعدم امتلاكها هاتفًا ذكيًا أو معرفتها بكيفية استخدام التطبيقات المصرفية، مؤكدة أن العملات الورقية هي الوسيلة المتاحة أمامها لشراء احتياجاتها اليومية في وقت بات فيه قبولها موضع رفض لدى العديد من المحال التجارية.
وتتابع فاطمة أنها تضطر أحيانًا إلى شراء سلع لا تحتاج إليها بالضرورة لمجرد استنفاد قيمة الورقة النقدية أو تلجأ إلى المحال القريبة من منزلها على أمل أن تتمكن من شراء احتياجاتها دون عوائق لكنها فوجئت أخيرًا برفض التعامل بالنقد على الرغم من أن الأوراق النقدية التي بحوزتها صالحة للاستخدام.
وتناشد الجهات المعنية وفي مقدمتها سلطة النقد، التدخل العاجل لمعالجة الأزمة والضغط على البنوك لتسهيل تداول العملات الورقية واستبدال التالف منها بما يضمن قدرة المواطنين على شراء احتياجاتهم دون تكبد أعباء إضافية، مردفة: ألا تكفينا الحرب وما تبعها من معاناة".
رفض النقد؟
ولا تختلف معاناة المواطن إبراهيم مقداد، كثيرًا عن فاطمة، مؤكدا أن عددًا من أصحاب المحال التجارية والمراكز التسويقية يرفضون قبول العملات الورقية أو إعادة المبالغ المتبقية للمشترين بذريعة عدم توافر الفكة ما يضطر المواطنين إلى شراء سلع بقيمة الورقة النقدية كاملة حتى وإن لم يكونوا بحاجة إليها.
ويقول مقداد لصحيفة "فلسطين": إن بعض المحال والمولات في مدينة غزة بدأت منذ أيام رفض استقبال أوراق نقدية من فئات 50 و100 و200 شيقل، ومطالبة الزبائن إما بشراء كامل قيمة المبلغ أو تحويله إلى رصيد إلكتروني لإتمام عمليات الدفع.
ويطالب سلطة النقد بحل الأزمة، ومباحث التموين ووزارة الاقتصاد الوطني والجهات الرقابية بتكثيف الجولات الميدانية ومتابعة المحال التجارية التي ترفض تداول العملات الورقية الصالحة ومحاسبة المخالفين، مؤكدًا أن إجبار المواطنين على استخدام الدفع الإلكتروني يحرم فئات واسعة من القدرة على شراء احتياجاتها خصوصًا كبار السن والأشخاص الذين لا يمتلكون هواتف ذكية أو حسابات مصرفية.
ويشير مقداد، إلى أن محاولته تحويل الأموال النقدية إلى رصيد إلكتروني كشفت عن عبء إضافي، إذ فوجئ بفرض عمولات على عملية التحويل تتراوح بحسب جودة الورقة النقدية بين 5 و15 شيقلاً للورقة الواحدة وقد ترتفع في بعض الحالات إلى نحو نصف قيمتها إذا كانت مهترئة أو متضررة.
وبذلك، يجد المواطن نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ إما شراء سلع لا يحتاج إليها لاستنفاد قيمة ما بحوزته من نقد أو دفع عمولات إضافية لتحويله إلى رصيد إلكتروني في ظل أوضاع اقتصادية ومعيشية شديدة الصعوبة خلفها حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة.

تعثر الخدمات المصرفية
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي أحمد أبو قمر، أن الأزمة تعكس اختلالاً في عمل القطاع المصرفي وتراجعًا في قدرة البنوك على أداء مهامها ولا سيما تسهيل عمليات السحب والإيداع وتوفير الخدمات المصرفية اللازمة للمواطنين والتجار.
ويوضح أبو قمر لصحيفة "فلسطين" أن تعثر الخدمات المصرفية أسهم في انتقال جزء من التعاملات إلى السوق السوداء، إذ باتت آليات قبول النقد وتحويله تخضع لممارسات يفرضها بعض التجار والوسطاء الأمر الذي يزيد الأعباء المالية على المواطنين ويضعف قدرتهم على التصرف بأموالهم.
ويشير إلى أن قطاع غزة، شهد خلال حرب الإبادة الجماعية على غزة، ظاهرة فرض عمولات مرتفعة للحصول على السيولة النقدية وصلت في بعض الحالات إلى 50% قبل أن تتخذ الأزمة شكلاً آخر يتمثل في رفض العملات الورقية أو اشتراط تحويلها إلى أرصدة إلكترونية.
ويحذر أبو قمر، من أن تهميش النقد المتداول بين المواطنين والتجار يفاقم حالة الركود الاقتصادي إذ تبقى أموال موجودة فعليًا في أيدي أصحابها لكنها تصبح عاجزة عن تلبية احتياجاتهم عندما يرفض البائعون قبولها. ويحدث ذلك في وقت يعاني فيه القطاع تراجع الدخول وضعف القدرة الشرائية وشح السيولة المتاحة للتعاملات اليومية.
ويضيف: التوسع القسري في الدفع الإلكتروني يثير مخاوف لدى المواطنين مع احتمال تجميد بعض الحسابات المصرفية وتعذر الوصول إلى الأموال، مشددًا على ضرورة معالجة الأزمة من جذورها بدلاً من تحميل المواطنين تكاليف إضافية أو إجبارهم على تغيير وسيلة الدفع التي يعتمدون عليها.
سلطة النقد والبنوك
ويؤكد الخبير الاقتصادي، أن معالجة الأزمة لا يمكن أن تقتصر على الإجراءات الرقابية التي تتخذها الشرطة أو وزارة الاقتصاد رغم أهمية متابعة التجار المخالفين بل تتطلب تدخلًا مباشرًا من سلطة النقد والبنوك باعتبارها الجهات المختصة بالقطاع المصرفي.
ويدعو أبو قمر، سلطة النقد إلى إصدار موقف واضح بشأن العملات الورقية المتداولة وتوضيح آليات استبدال الأوراق التالفة والتأكيد على قبول العملات الصالحة للاستخدام مع الإعلان عن الخطوات العملية التي تتيح إعادة إدماج النقد في الدورة الاقتصادية.
كما يشدد على ضرورة متابعة التجار والوسطاء الذين يرفضون قبول النقد أو يفرضون عمولات على تحويله والتحقق من طبيعة هذه الممارسات ومحاسبة المخالفين وفق القانون بما يضمن حماية المواطنين من الاستغلال.
وكانت المديرية العامة للشرطة قد أكدت، في بيان في 26 أيلول/ سبتمبر الماضي، ضرورة تداول العملات الورقية الصالحة للاستخدام بمختلف أنواعها سواء كانت جديدة أم قديمة شريطة ألا تكون تالفة.
وأعلنت الشرطة بغزة، أن إدارة المباحث العامة ستتابع مدى الالتزام بالتعليمات في مختلف مناطق القطاع، وأنها ستتخذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، داعية التجار وأصحاب المصالح التجارية إلى مراعاة المصلحة العامة وعدم المساهمة في افتعال أزمات تزيد معاناة المواطنين.
كما دعت المواطنين إلى الإبلاغ عن المخالفات عبر الرقم المجاني للعمليات المركزية (109)، أو التوجه إلى أقرب مركز شرطة.
وينتظر المواطنون في قطاع غزة، حلولاً عملية تعيد إليهم القدرة على استخدام أموالهم دون قيود أو عمولات إضافية.
وتبقى الحاجة ملحة إلى تحرك منسق بين سلطة النقد والبنوك والجهات الرقابية لضمان قبول العملات الورقية الصالحة وحماية المستهلكين ومنع تحول شراء الاحتياجات الأساسية إلى عبء يومي جديد على سكان قطاع غزة.


