☰
✕

قائمة الموقع

خرج ليلعب في العيد.. "جلال" طفل غائب وأبوان وطفلاهما ينتظرون

2026-10-13T09:28:00+03:00
الطفل جلال البرش

داخل خيمة بالية، يجلس الزوجان أحمد وسجى البرش قرب طفليهما التوأمين جمال وأنور، في حين يظل مكان شقيقهما البكر جلال فارغًا منذ أن خرج بدراجته في رابع أيام عيد الأضحى ولم يعد. تتنقل أعين الأبوين بين وجهي الطفلين ومدخل الخيمة، كأنهما ينتظران أن يظهر جلال فجأة من بين خيام النازحين.

يمر الوقت بطيئًا على الأم البالغة من العمر (33 عامًا)، وبينما تستوقفهما كل حركة عند مدخل الخيمة، يعيد إليها كل طفل يمر على مقربة منها السؤال ذاته: هل يكون جلال؟ ثم يعود الصمت، وتعود معه الحقيقة القاسية؛ نجلها ابن التسعة أعوام ما يزال مفقودًا، ولا تعرف أين هو أو ماذا حل به.

أما جمال وأنور، اللذان يبلغان ثمانية أعوام، فقد اعتادا أن يسألا عن شقيقهما الغائب، وأن يبحثا عنه بأعينهما بين الأطفال؛ إذ لم يعد وجود ثلاثة أطفال في الخيمة كما كان؛ وثمة مكان شاغر يذكّر الأسرة في كل لحظة بأن جلال خرج للعب ولم يعد.

في الثالث من مايو/ أيار 2026، غادر جلال خيمة أسرته في منطقة بئر النجعة، غرب مخيم جباليا، شمالي قطاع غزة، بدراجته الهوائية. كان ذلك في رابع أيام عيد الأضحى، حين خرج الطفل للعب، قبل أن يتحول ذلك اليوم بالنسبة إلى أسرته إلى بداية انتظار مفتوح على المجهول.

ومنذ ذلك الحين، لم يصل إلى سجى وزوجها أحمد البرش، البالغ من العمر (34 عامًا)، أي خبر يطمئنهما على ابنهما، ولا تعرف الأسرة إن كان جلال قد ضل طريقه، أو تعرض لشيء، أو اقتادته جهة ما، في حين  بقي مصيره مجهولًا.

تقول سجى: إن "جلال خرج ليلعب بدراجته الهوائية ثم اختفى، ومنذ ذلك الحين لا نعرف أين ذهب، ولا ما إذا كان بخير، ولا الجهة التي يمكن أن تعيد إليها طفلها".


 

تعيش الأسرة في منطقة قريبة من "الخط الأصفر" الذي لا يبعد عن خيمتها سوى مئات الأمتار، في بيئة أنهكتها الحرب والنزوح والخوف، وبين الخيام ومساحات الدمار تحاول الأم أن تتشبث بأي خيط قد يقودها إلى نجلها.

زوجها أحمد البرش (34 عامًا) يشاركها الانتظار الثقيل، في حين يكبر في الخيمة سؤال لا يجد جوابًا: أين جلال؟

ولا تقتصر معاناة فقد جلال على والديه فحسب، بل امتدت إلى شقيقيه التوأمين، جمال وأنور.

كان جلال قبل الحرب طفلًا طبيعيًا، وفق والدته، لكنه كان يتحدث بكلمات متقطعة، ومع استمرار الحرب وما رافقها من ظروف نفسية قاسية تطورت حالته إلى التوحد.

ولم تكن الأسرة تتخيل أن يأتي يوم يُصبح فيه مجرد معرفة مكان جلال أمنية، فقبل اندلاع الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كانت تعيش في منزلها بمنطقة جباليا البلد، شمالي القطاع، قبل أن تدفعها الحرب إلى النزوح بعيدًا عن بيتها وحياتها السابقة.

وفي رحلة البحث عن ابنها، لجأت سجى إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، علّها تجد لديها معلومة تساعدها على الوصول إلى جلال أو معرفة مصيره، لكنها لم تحصل على إجابة تضع حدًا لهذا الانتظار.

ولم تخبرها أي جهة أخرى بمصير طفلها، ولم يصلها خبر يطمئن قلبها أو يدلها على مكانه، في حين بقي مصير 9 آلاف مواطن فلسطيني مجهول، وفق معطيات رسمية.

أما أكثر من يثقل قلب الأم، أن يصبح الغياب عبئًا يوميًا، ولم يعد بإمكانها التعامل مع فقد جلال باعتباره ذكرى لأن مصيره لم يُحسم بعد، فهو ليس ميتًا تعرف مكانه فتودعه، ولا حاضرًا تستطيع أن تضمه إلى صدرها؛ إنه طفل غائب، معلق بين الاحتمالات.

وتعيش الأسرة اليوم بين مرارة النزوح وألم فقد جلال، في حين أن الخيمة التي لجأت إليها العائلة هربًا من الحرب أصبحت تحمل قصة أخرى من قصص الفقد، لكن هذه المرة من دون قبر أو خبر أخير أو لحظة وداع.

وبينما يمضي الوقت، لا تزال سجى وزوجها وطفلاهما، بانتظار أي معلومة تكشف عن مصير جلال، وقد تحولت صورته واسمه وتفاصيله الصغيرة، وكل ما يمكن أن يقود إليه، وسائل للتمسك بالأمل.

تقول الأم: لا نطلب أكثر من خبر؛ أي خبر يمكن أن يضع حدًا لهذا المجهول.

وتحت وطأة الانتظار، يبقى مقعد الطفل شاغرًا بين أفراد أسرته، وتبقى دراجته التي خرج بها للعب حاضرة في ذاكرة أمه، وشاهدة على آخر لحظة رأته فيها، قبل أن يتحول العيد إلى بداية انتظار طويل.

اخبار ذات صلة