لم يعد الاعتقال مجرد سلب للحرية، بل أصبح في كثير من الزنازين حكمًا بالإعدام البطيء، وما يحدث اليوم مع الأسير حسن سلامة ليس قصة فرد واحد، بل هو مرآة صافية تكشف وجه سياسة كاملة وقاسية تُمارَس بحق آلاف الأسرى الفلسطينيين خلف قضبان الاحتلال الإسرائيلي.
حين يمرض الأسير، لا يجد سريرًا دافئًا ولا طبيبًا رحيمًا، بل يجد جدرانًا باردة وأبوابًا موصدة وإدارة تحصي أنفاسه بصمت. الدواء يصبح ممنوعًا، والفحص يصبح حلمًا بعيدًا، والعلاج يتحول إلى معركة يومية مرهقة. عندها لا نستطيع أن نسمي ما يحدث إهمالًا عابرًا، بل هو قتل ببطء، وبأدوات لا تترك أثر الرصاص، لكنها تترك أثرًا أعمق في الجسد والروح والكرامة.
إن قضية حسن سلامة تفتح جرحًا أكبر وأوسع: ماذا عن كل الأسرى المرضى؟ ماذا عن مئات الأجساد المنهكة التي تتألم بصمت كل ليلة، دون أن يسمع أنينها أحد؟ هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في سجلات السجون، هم أبناء هذا الشعب، لكل واحد منهم أم تسهر الليل تنتظر، وزوجة تعد الأيام، وأطفال يحلمون بعودة أب، ولكل واحد منهم حق مقدس في الحياة والكرامة والعلاج والحرية.
إن سياسة الإهمال الطبي لم تعد حالة استثنائية أو خطأ فرديًا، بل أصبحت نهجًا ممنهجًا ومتعمّدًا، نهجًا يحوّل المرض إلى أداة عقاب إضافية، ويحوّل الزنزانة من مكان للاحتجاز إلى غرفة انتظار للموت. والخطر اليوم لا يهدد أسيرًا واحدًا بعينه، بل يهدد كل أسير مريض قد يتحول غدًا إلى خبر عاجل على شاشات الأخبار ووسائل الإعلام.
نحن اليوم *لا نكتب عن سلامة وحده، بل نكتب عن كل سلامة يقبع هناك، عن كل قلب يخفق خلف القضبان وينتظر من يمد له يد العون*، المسؤولية الكاملة تقع على عاتق الاحتلال، فهو من يحتجزهم، وهو من يمنع عنهم أبسط حقوقهم الإنسانية التي كفلتها كل المواثيق الدولية والقانونية.
لكن المسؤولية تقع علينا نحن أيضًا، إلى متى سنكتفي ببيانات الشجب والاستنكار؟ *إلى متى سنكتفي بمنشور حزين على مواقع التواصل ثم نمضي؟ الأسرى لا يحتاجون تعاطفًا عابرًا، بل يحتاجون تحركًا حقيقيًا، صوتًا عاليًا لا ينام، وضغطًا حقوقيًا وقانونيًا وميدانيًا لا يتوقف*.
أنقذوا سلامة، لا لأنه وحده المريض، بل لأنه اليوم صوت كل المرضى. أنقذوه قبل أن نفقد غيره، وقبل أن يكتب التاريخ أننا شاهدنا الموت البطيء يحدث أمام أعيننا ولم نفعل شيئًا يُذكر.