يفرض جيش الاحتلال حصارًا خانقًا على نحو 47 عائلة تعيش بخربة الرأس الأحمر جنوب شرقي طوباس في الأغوار الشمالية قطع خلالها خطوط المياه لتعيش العائلات والمواشي التي يربونها في عطش منذ نحو 30 يومًا، ويضطرون لسلك مسالك صعبة مشيًا على الأقدام للحصول على مياه للشرب، في حين ماتت العديد من الأغنام نتيجة العطش.
ولتشديد الحصار شق جيش الاحتلال شارعًا عسكريًا، وحفر بجانبه خندقًا بعمق وعرض ثلاثة أمتار لمنع دخول شاحنات المياه أو أي آليات تحمل إمدادات الطعام، وأبقى على بوابة عسكرية واحدة تتحكم بالخربة، وذلك بهدف دفع الناس للرحيل تمهيدا لتوسيع الاستيطان الرعوي في المكان.
ومنذ 30 يومًا، يعيش لطفي السعيد وعشرات العائلات في منطقة الرأس الأحمر شرق محافظة طوباس، تحت حصار يقطع عنهم طرق الوصول والخروج، ويحرمهم من المياه والأعلاف ولوازم الحياة الأساسية، في وقت تتراجع صحة المواشي التي تشكل مصدر رزقهم الوحيد، وسط عجزهم عن الوصول إلى المستشفيات والعيادات أو إرسال أبنائهم إلى المدارس.
ويقول السعيد إن 47 عائلة تعيش في المنطقة المحاصرة، التي تضم نحو 15 ألف رأس من الأغنام، باتت تواجه ظروفًا قاسية مع إغلاق الطرق ومنع وصول صهاريج المياه والأعلاف، ما يهدد حياة السكان ومواشيهم على حد سواء.
ويضيف لصحيفة "فلسطين" بنبرة قهر: "نعيش تحت الحصار، وقد أُغلقت الطرق أمامنا، فلم يعد بإمكاننا الدخول إلى المنطقة أو الخروج منها. لا تتوفر المياه، وتُمنع صهاريج المياه من الوصول إلينا، كما لا تتوفر الأعلاف للمواشي، ما أدى إلى تراجع صحتها".
ويتابع السعيد أن نقص المياه ولوازم الحياة جعل العائلات تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية، موضحًا أن السكان يضطرون إلى قطع مسافة أربعة كيلومترات للحصول على مياه الشرب، مع غياب الإمدادات المنتظمة وعدم توافر المستلزمات الضرورية للمعيشة، ما يضر الأهالي للعيش بما هو متوفر سابقا.
ولا تقتصر المعاناة على نقص المياه والغذاء، إذ يواجه كبار السن والمرضى صعوبة في الوصول إلى المراكز الصحية، مع انعدام وسائل النقل وإغلاق الطرق، في حين حُرم عشرات الطلبة من الالتحاق بمدارسهم.
ويشير السعيد إلى أن 51 طالبًا من أبناء المنطقة لا يذهبون إلى المدارس، بينهم طلبة في الصفين السادس والعاشر، موضحًا أن بعضهم انقطع عن الدراسة منذ نحو عشرين يومًا.
ويطالب السعيد المؤسسات الحقوقية والإنسانية بالتدخل العاجل لإنهاء الحصار، والسماح بإدخال المياه والأعلاف والمستلزمات الأساسية، لافتًا إلى أن الجهات المحلية والارتباط الفلسطيني لم تتمكن من الوصول إلى المنطقة أو تغيير واقع السكان، وأن محكمة إسرائيلية أصدرت قرارًا بفتح البوابة، دون تنفيذه.
ويحذر السعيد من أن استمرار انقطاع المياه يهدد حياة السكان ومواشيهم، مؤكدًا أن الحصار ألحق خسائر مباشرة بقطعان الأغنام، مع نفوق عدد من المواليد والحيوانات بسبب نقص المياه والأعلاف.
ويقول: "بدأت المواليد تنفق، ونفقت لدي سبعة خراف ومواليد، كما نفقت ثلاث نعاج لدى أحد جيراني. لا نملك القدرة على فعل شيء، ولا نستطيع توفير احتياجات المواشي، وحتى الصهريج الذي كان يصل إلينا صودرت معداته".
تهجير السكان
ويشير السعيد إلى أن ما يجري في المنطقة يرتبط بمحاولات تهجير السكان والاستيلاء على أراضيهم، مع التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وإغلاق الطرق.
ويوضح أن منطقة الرأس الأحمر وأم "الكبيش" تقعان في الأغوار الشمالية شرق محافظة طوباس، وتشكلان جزءًا من الأراضي الزراعية التي كانت تمثل سلة غذاء، بما تضمه من كروم العنب وحقول البصل والبطاطا الممتدة على مساحات واسعة، قبل أن تتراجع الزراعة بفعل القيود المفروضة على الأراضي والمياه لتصبح أشبه بصحراء مع مغادرة المزارعين المنطقة.
وقبل يومين وأمام عدسات كاميرات الصحفيين الفلسطينيين الذين وصلوا للمنطقة لتغطية الحصار المتواصل، لم يتوانَ جيش الاحتلال في منع صهريج مياه حاول كسر الحصار وكسر عطش الأهالي والمواشي على حد سواء.
وتقول الصحافية مشاعل أبو الرب التي تواجدت بالمكان لحظة منع صهريج المياه: إن "الخربة تعاني شح المياه منذ 27 يوما، وذلك بهدف دفع الناس للرحيل والهجرة"، مشيرة، إلى أن الأهالي من البلدات والخرب المحيطة يحاولون تنظيم حملات لكسر الحصار أو إمداد "الرأس الأحمر" بالمياه إلا أن الاحتلال يمنع ذلك.
وأضافت أبو الرب لصحيفة "فلسطين" أن سكان الخربة يسكنون في خيام، وقد حفر جيش الاحتلال خندقا بعمق ثلاثة أمتار لتشديد الحصار على الأهالي، وعليه لا يمكن إدخال أي شيء للخربة من مياه أو طعام إلا عن طريق بوابة وحيدة يسيطر عليها جيش الاحتلال"، لافتة، إلى أن إحدى العائلات اضطرت للنزوح أمام هذه الإجراءات.
وضع كارثي
بدوره، يقول الناشط من بلدة طمون المهندس ضرغام بشارات إن الوضع في منطقتي عاطوف والرأس الأحمر "كارثي" مع معاناة السكان من نقص المياه والغذاء والرعاية الصحية، والحصار المفروض عليهم من مختلف الجهات.
وأضاف بشارات لصحيفة "فلسطين" أن الاحتلال أقام طريقًا عسكريًا قطع المواصلات عن السكان، وحفر بجانبه نفقًا من جهة الأراضي العربية، بعمق ثلاثة أمتار وعرض ثلاثة أمتار، ما يصعّب مرور الآليات ويعزل المنطقة عن محيطها.
وأشار إلى أن إنشاء الطريق العسكري أدى إلى قطع خطوط المياه التي كانت تصل إلى المنطقة، مبينا أن الاحتلال خرّب شبكة المياه، ما فاقم معاناة العائلات ومربي المواشي.
ويقول بشارات: "يحارب الاحتلال المزارعين وأصحاب المواشي في مصدر رزقهم الوحيد، إذ تعتمد نسبة كبيرة من العائلات على تربية الأغنام والزراعة، لكن السكان أصبحوا معزولين عن العالم، ويواجهون صعوبة بالغة في تأمين احتياجاتهم الأساسية".
ويشير إلى أن مساحة أراضي عاطوف والرأس الأحمر تبلغ نحو 97 ألف دونم، لافتًا إلى أن نحو 70% من الأراضي صادرها الاحتلال منذ عام 2000، فيما صودرت مساحات إضافية لإقامة الطريق العسكري، تقدر بنحو 43 دونمًا.
ويضيف أن الاحتلال أقام نقطة تفتيش وبؤرة استيطانية على جبل أم الكبيش في منطقة طمون، ما أدى إلى مصادرة نحو 17 ألف دونم من الأراضي الجبلية، وحرم أصحاب المواشي من مساحات الرعي، في ظل ما يصفه بالتوسع الاستيطاني الرعوي.
أما الأراضي الزراعية، فيوضح بشارات أن المساحات المتبقية منها لا تتجاوز نحو 10%، بعدما طالت المصادرة معظم الأراضي بفعل الطريق العسكري والإجراءات الإسرائيلية.
ويؤكد أن السكان يواجهون نقصًا حادًا في المياه والغذاء وأعلاف المواشي والرعاية الصحية، فضلًا عن عدم قدرتهم على الوصول إلى المستشفيات والعيادات، مشيرًا إلى أن أطفال المنطقة حُرموا من الذهاب إلى المدارس منذ بداية العام، مع استمرار الحصار وإغلاق الطرق.



