تواجه محافظة الخليل، التي تُعد العاصمة الاقتصادية وشريان الحياة التجاري والصناعي الأبرز في الضفة الغربية المحتلة تبعات شلل كامل وشامل عقب الحصار الذي فرضته قوات الاحتلال الإسرائيلي.
الإغلاق المحكم حسب تجار ومراقبين اقتصاديين تسبب في انقطاع الشريان الاقتصادي الحيوي، من جراء توقف حركة توريد البضائع والمنتجات الوطنية من الخليل إلى بقية المحافظات، وإعاقة استقبال مدخلات الإنتاج والمواد الخام اللازمة للمصانع والورش.
ويبين نور الدين جرادات رئيس اتحاد الصناعات الفلسطينية السابق أن الخليل تكتسب أهميتها الاستثنائية في الخارطة الاقتصادية الفلسطينية من كونها المركز المالي والصناعي الأول.
ويقول جرادات لصحيفة "فلسطين": تشكل الخليل البؤرة الأساسية للصناعات الفلسطينية، إذ تضم أكبر تجمع للمصانع والورش الإنتاجية في مجالات الحجر والرخام، والألبان والأجبان، والجلود والشرك، والأثاث، والمواد الغذائية والبلاستيكية.
ويضيف أن الخليل تُعد المورد الرئيس للعديد من السلع والمنتجات الأساسية لباقي محافظات الضفة وقطاع غزة، إضافة إلى كونها سوقاً استهلاكياً ضخماً يمتص المنتجات والخدمات من مختلف الأقاليم.
ويشير إلى أن الخليل تستوعب النسبة الأكبر من العمالة الصناعية والحرفية في الضفة الغربية، وتُسهم بحصة ثقيلة في الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني، ما يجعل أي مساس بنشاطها التجاري انعكاساً مباشراً على مجمل الاقتصاد الفلسطيني.
واقع اقتصادي صعب
من جانبه، يقول حسام الزغل، مسؤول شركة لتصنيع الأحذية في الخليل، إن القطاع الصناعي الفلسطيني يواجه واقعاً اقتصادياً صعباً منذ اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع تراجع النشاط التجاري وازدياد الأعباء التشغيلية والصعوبات التي تواجه المصانع في الحفاظ على استمرارية إنتاجها.
ويوضح الزغل لصحيفة "فلسطين" أن المنشآت الصناعية أمضت الفترة الماضية في محاولة احتواء تداعيات الأزمة والحفاظ على العمال واستمرار العمل، إلا أن الإغلاق المفروض على الخليل يضيف تحديات جديدة إلى واقع اقتصادي متعثر أصلاً، ويجعل عملية تعويض الخسائر واستعادة النشاط التجاري أكثر صعوبة.
ويضيف أن صناعة الأحذية تعتمد على انتظام وصول المواد الخام واستمرار حركة تسويق المنتجات وتوزيعها إلى الأسواق الفلسطينية، مشيراً إلى أن تعطّل هذه الدورة ينعكس على الإنتاج والمبيعات والتزامات المصانع تجاه العمال والموردين.
ويشدد على أن استمرار القيود على الحركة والتجارة يحد من قدرة المنشآت على استعادة عافيتها، ويضع أصحاب المصانع أمام خيارات صعبة للحفاظ على أعمالهم ومصادر رزق العاملين فيها، في وقت تحتاج فيه الصناعة الفلسطينية إلى استقرار يسمح لها بتعويض خسائر السنوات الماضية ومواصلة الإنتاج.
الأمن الغذائي والاقتصادي
في السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي د. ثابت أبو الروس أن تداعيات الإغلاق تتعدى الحصار الجغرافي لتطال الأمن الغذائي والاقتصادي في جميع المحافظات.
ويوضح أبو الروس لـ"فلسطين" أن الأسواق الفلسطينية بدأت تشهد نقصاً ملحوظاً في السلع الأساسية والمصنعة في الخليل، لا سيما منتجات الألبان والأجبان والأثاث والبضائع الحرفية.
ويضيف أبو الروس أن الانقطاع المفاجئ للأنشطة التجارية والصناعية يرفع من معدلات البطالة المؤقتة، ويضع أسر العمال والتجار أمام تهديد مباشر في مصدر رزقهم وقوت يومهم داخل المحافظة وخارجها.
ولم تتوقف الإجراءات عند الحدود والتنقل، بل ترافق الإغلاق مع عمليات تجريف وتدمير واسعة شملت المنشآت والمحال التجارية.
ويصف أبو الروس الأفعال بأنها مجزرة بحق الأرض والعمار والعقار"، وهدفها تجريف رأس المال الفلسطيني وإلحاق خسائر مالية وهيكلية فادحة تمنع أي إمكانية للتعافي السريع.
ويحذّر كذلك من المخاوف العميقة من تحويل سياسة تجريف المناطق التجارية والسكنية إلى سابقة ومخطط ممنهج يُطبق على مختلف المناطق الجغرافية.
وعلى صعيد البيئة الاستثمارية، يبين الخبير الاقتصادي أن الإجراءات عززت حالة من الترقب والحذر الشديدين لدى المستثمرين ورجال الأعمال، ما أدى إلى إيقاف مشاريع التوسع والتوقف عن ضخ رؤوس أموال جديدة في الاقتصاد الفلسطيني، خشية امتداد سياسات العقاب الجماعي لتشمل مناطق ومحافظات أخرى.
ويشدد في الوقت ذاته على أن الإغلاق الميداني وتوقف الحركة التجارية ينعكسان سلباً وبشكل مباشر على حجم وسلاسة العمليات المصرفية والتجارية اليومية في الخليل.


