رأى وزير الخارجية التونسي الأسبق الدكتور رفيق عبد السلام أن حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة أحدثت تحولًا غير مسبوق، في اتجاهات الرأي العام الدولي لصالح القضية الفلسطينية ومناهضة سياسات الاحتلال والقتل التي تمارسها "إسرائيل"، لافتًا إلى أن هذا التحول لا يقتصر على الشارع، بل يشمل قطاعات مهمة من النخب الأكاديمية والثقافية والفنية، إلى جانب قيادات النقابات ومؤسسات المجتمع المدني.
وأوضح عبد السلام، في حوار مع "فلسطين أون لاين"، أن "هذا التحول لم ينعكس حتى الآن بصورة كاملة على مواقف الحكومات الغربية، إذ ما زالت هناك هوة بين ما يعبر عنه الرأي العام الدولي وما تتبناه الدول الغربية من سياسات ومواقف رسمية". لكنه أعرب عن اعتقاده بأن هذه الفجوة لن تستمر على حالها، وأن الحراك الشعبي والمجتمعي سينعكس بالضرورة على الخيارات والمواقف الرسمية الغربية.
وقال: إن "السياسيين في الأنظمة الديمقراطية، مهما كانت انحرافاتها، لا يستطيعون تجاهل سلطة صناديق الاقتراع بصورة كاملة"، معتبرًا أن تأثير التحولات في الرأي العام على السياسات الحكومية مسألة وقت.
وفي المقابل، اعتبر عبد السلام أن الاعترافات الدولية المتزايدة بدولة فلسطين تظل خطوات رمزية لا تغير شيئًا من الواقع ما دام الاحتلال والاستيطان والحواجز مستمرة في التمدد.
وشدد على أن من يريد إقامة الدولة الفلسطينية فعليًا، عليه أولًا كبح جماح "إسرائيل" وإخراجها من الأراضي التي سيطرت عليها خارج إطار القانون الدولي، محذرًا من أن الدولة الفلسطينية ستظل، في ظل استمرار هذه الوقائع، مجرد عالم افتراضي وخيالي لا وجود له على الأرض، وأن الحديث عنها يصبح ضربًا من اللغو لا غير ما لم يقترن بإجراءات تغير الواقع القائم.
الدعم الغربي تحكمه حسابات استراتيجية
وفي قراءته للموقف الدولي من الحرب على غزة، قال الوزير التونسي الأسبق، إن المواقف الدولي متفاوت بين دول أخذت موقفًا جادًا في مناصرة الحقوق الفلسطينية وضحايا حرب الإبادة، كما إسبانيا وإيرلندا، وأخرى ظلت امسك العصا من الوسط، فيفعل عكس ما يصرح به، كما هو شأن أغلب الدول الأوروبية، وهو أقرب إلى النفاق منه إلى الصدق، كما هو شأن فرنسا وأغلب الحكومات الأوروبية.
ويضم الصنف الثالث، وفق تصنيفه، الدول التي تواصل مناصرة (إسرائيل)، ودعمها بالمال والسلاح وكل شيء، وفي مقدمة هذه الدول الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا، مع أنه يتوجب، للحقيقة والإنصاف، مشيرًا إلى تسجيل تحسن في الموقف البريطاني مع اختيار رئيس الحكومة الجديد آندي برنهام بديلًا عن ستارمر المتصهين.
وفي هذا السياق، رأى عبد السلام أن تراخي القوى الدولية في التصدي لدولة الاحتلال وجرائمها المعلنة يعود إلى خيارات استراتيجية كبرى تتبناها هذه القوى، تقوم على دعم "إسرائيل" والتستر على أفعالها، باعتبارها ذراعًا مغروسة في قلب الشرق الأوسط، تتيح لها السيطرة على الثروات والمضائق، وتكريس ضعف العرب وسكان المنطقة وتشرذمهم.
وفي تفسيره لاستمرار الدعم الأمريكي على وجه الخصوص، أشار إلى عاملين رئيسيين؛ أولهما نفوذ اللوبي المرتبط بـ"إسرائيل" داخل دوائر صنع القرار في البيت الأبيض، وتحالفه مع اليمين الإنجيلي الذي وصفه بأنه الحزام الرئيسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحركة "ماغا" (لنجعل أمريكا قوية مجددًا).
أما العامل الثاني، فيتعلق بثوابت السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط، التي قال إنها تبلورت منذ ستينيات القرن الماضي، وتقوم على دعم "إسرائيل" وحماية مشروعها وضمان تفوقها على دول الشرق الأوسط، سواء منفردة أو مجتمعة.
وأضاف أن تغير الرؤساء الأمريكيين لا يعني بالضرورة تغير هذه الثوابت، وهو ما يفسر، بحسب قراءته، استمرار الدعم السياسي والعسكري لـ"إسرائيل" رغم حجم الضحايا والدمار والاتهامات الموجهة إليها بارتكاب جرائم حرب.
ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي
فيما يتعلق بتطبيق القانون الدولي، أكد عبد السلام أن الحرب على غزة كشفت بوضوح ازدواجية المعايير في التعامل مع "إسرائيل" مقارنة بأطراف أخرى في العالم، مشيرًا إلى أن هذه الازدواجية ليست جديدة، بل اعتادت القوى الدولية ممارستها في تعاملها مع القضايا والصراعات المختلفة.
لكنه رأى أن الجديد في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتمثل في أن التعامل مع المصالح السياسية لم يعد، وفق تقديره، قائمًا بالدرجة نفسها على النفاق وازدواجية المعايير، بل أصبح أكثر مجاهرة بأهداف السيطرة والاستحواذ، باعتبارها مبررات كافية لتحديد الخيارات والمواقف، من دون الحاجة إلى التذرع بالقانون الدولي والأخلاق والقيم.
الموقف العربي دون مستوى الكارثة
وعلى الصعيد العربي، انتقد وزير الخارجية التونسي الأسبق، موقف الدول العربية تجاه حرب الإبادة على غزة، معتبرًا أنه جاء دون مستوى الكارثة الإنسانية، عازيًا ذلك إلى الضعف أو التعمد أو اجتماعهما.
واستدل على ذلك باستهداف المسجد الأقصى من جانب "عصابات بن غفير"، معتبرًا أن الدول العربية بقيت، رغم ذلك، في موقع المتفرج، ولم تتخذ مواقف تتناسب مع خطورة ما يجري.
وأضاف أن كثيرًا من الدول العربية باتت تنظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها عبئًا ثقيلًا ينبغي التخلص من أعبائه، تحت دعاوى الوطنية وشعارات "بلدي أولًا"، وهو ما اعتبر أنه قد ينتهي عمليًا إلى تقديم المصالح الأمريكية والإسرائيلية على حساب القضية الفلسطينية.
ورغم ذلك، أكد أن الدول العربية تمتلك أدوات سياسية واقتصادية ودبلوماسية يمكن استخدامها للضغط على "إسرائيل" لحملها على وقف عدوانها وانتهاكاتها، ليس أقلها إلزام دول التطبيع العربي بموقفها من التطبيع، واستخدام ورقة النفط، والتهديد بإغلاق القواعد العسكرية، وتغيير التحالفات الدولية من أمريكا إلى منافسيها، في وضع دولي تنافسي يفتح مجالًا أوسع للحركة أمام الدول العربية، منفردة ومجتمعة.