قال الخبير في القانون الدولي والإنساني د. عمر رحال: إن العقوبات الأمريكية المفروضة على المحكمة الجنائية الدولية تأتي في سياق الضغوط الرامية إلى عرقلة مساءلة قادة الاحتلال الإسرائيلي عن الجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين ولا سيما في قطاع غزة، وتمكينهم من الإفلات من العقاب، محذرًا من تداعيات هذه الإجراءات على استقلالية القضاء الدولي ومصداقيته.
وأضاف رحال، في حوار مع صحيفة "فلسطين" أمس أن الخطوة الأمريكية تعكس استمرار سياسة حماية الاحتلال الإسرائيلي من المساءلة القانونية سواء من خلال استخدام واشنطن حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن الدولي أو ممارسة الضغوط على المؤسسات القضائية الدولية، بما يحد من قدرتها على ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.
وفرضت الولايات المتحدة الأمريكية، أول من أمس، عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، متوعدة بتعطيل عملها وذلك بعد ساعات من منح لجنة نوبل جائزة السلام للقاضية السابقة في المحكمة نافي بيلاي.
وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، قد أعلن أن واشنطن ستفرض حظرًا على التعاملات مع المحكمة التي وصفها بـ"المارقة"، في خطوة تصعّد الضغوط التي تمارسها إدارة الرئيس دونالد ترامب، على المؤسسة القضائية الدولية، في مسعى للحد من نشاطها وتقويض دورها في ملاحقة المتهمين بارتكاب جرائم دولية.
عرقلة مسار العدالة
وأوضح رحال، أن العقوبات الأمريكية يمكن قراءتها من زاويتين الأولى شخصية مرتبطة بالرئيس الأمريكي ترامب، الذي سعى إلى تقديم نفسه بوصفه صانعًا للسلام، والثانية مؤسساتية تتصل بطبيعة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية وبمحاولات توفير الحماية السياسية والقانونية للاحتلال.
وأشار إلى أن إدارة ترامب، روجت لدور الرئيس الأمريكي في إنهاء النزاعات لكن السياسات الأمريكية في عدد من الملفات الدولية تتناقض مع هذه الصورة.
واعتبر أن العقوبات على المحكمة الجنائية الدولية تندرج ضمن مساعٍ أوسع للضغط على المؤسسات الدولية التي تتخذ إجراءات قانونية بحق مسؤولين إسرائيليين ارتكبوا جرائم حرب ضد الفلسطينيين.
وتأسست المحكمة الجنائية الدولية عام 2002 للنظر في الجرائم الأشد خطورة ومنها جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية.
وكانت الجنائية الدولية، قد أصدرت مذكرتي توقيف بحق رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، ووزير جيشه السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة.
وأكد رحال، أن هذه الإجراءات الأمريكية لا ينبغي أن تدفع المحكمة إلى التراجع عن اختصاصاتها، معربًا عن اعتقاده بأن الضغوط لن تنهي مسار الملاحقة القانونية وأن الجرائم التي تدخل ضمن اختصاص القضاء الدولي لا تسقط بالتقادم لمجرد مرور الوقت أو تعذر محاسبة مرتكبيها في مرحلة معينة.
ازدواجية المعايير
وفيما يتعلق بتداعيات العقوبات على التحقيقات المرتبطة بالجرائم الإسرائيلية في غزة، قال رحال: إنه لا يتوقع أن تؤدي هذه الإجراءات بالضرورة إلى وقف الملاحقات لكنه حذر من أن الضغوط قد تضعف قدرة المؤسسات القضائية على أداء عملها وتؤثر في الظروف التي تعمل فيها المحكمة والقضاة والمدعون العامون.
وأضاف: أن استمرار الحرب وما خلفته من قتل ودمار ونزوح ومعاناة إنسانية يجعل مسألة المساءلة ذات أهمية مباشرة للضحايا الفلسطينيين الذين ينتظرون تحقيق العدالة ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
ورأى أن العقوبات الأمريكية تعزز الشعور بازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي خصوصًا عندما تتخذ إجراءات ضد مؤسسة قضائية دولية بسبب ملاحقتها مسؤولين إسرائيليين.
وأشار رحال إلى أن الولايات المتحدة استخدمت مرارًا نفوذها السياسي في المؤسسات الدولية لحماية (إسرائيل) من قرارات أو إجراءات قد تترتب عليها مساءلة، معتبرًا أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي يشكل عاملًا مؤثرًا في التعامل مع الملفات القانونية المتعلقة بفلسطين.
ولفت إلى أن بعض حلفاء واشنطن ومن بينهم دول أوروبية أبدوا اعتراضات على العقوبات الأحادية المفروضة على المحكمة، لافتًا إلى أن حماية استقلال القضاء الدولي تتطلب مواقف واضحة من الدول التي تؤكد التزامها بالقانون الدولي حتى لا تتحول الإجراءات العقابية إلى وسيلة لردع المؤسسات القضائية عن النظر في القضايا الحساسة سياسيًا.
وشدد على أن حقوق الضحايا الفلسطينيين يجب أن تظل في صلب الجهود الدولية وأن أي تأخير في المحاسبة لا يعني انتهاء المسؤولية القانونية أو سقوط الحق في المطالبة بالعدالة.
مواجهة الضغوط الأمريكية
ودعا رحال، إلى تكثيف التحرك الفلسطيني الرسمي والشعبي على المستويين الدبلوماسي والقانوني وتعزيز التعاون مع الدول الداعمة للقضية الفلسطينية والمؤسسات الحقوقية الدولية لضمان استمرار المسار القضائي ومواجهة الضغوط التي تستهدف المحكمة.
وأكد أهمية دور مؤسسات المجتمع المدني والأكاديميين والصحفيين في توثيق الانتهاكات ونشر المعلومات الموثوقة ومواصلة مخاطبة الرأي العام الدولي، مشددًا على ضرورة ألا يقتصر التضامن مع الفلسطينيين على فترات محددة أو أحداث طارئة.
وتابع: العمل القانوني يجب أن يترافق مع نشاط سياسي ودبلوماسي متواصل، بما يضمن إبقاء قضية الضحايا الفلسطينيين حاضرة أمام المؤسسات الدولية ومواصلة المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحقهم.
وختم رحال، بالقول: إن التحديات التي تواجه القضاء الدولي ليست جديدة على الفلسطينيين الذين يدركون تأثير موازين القوى السياسية في مسارات العدالة الدولية، لكنه شدد على أن ذلك لا ينبغي أن يؤدي إلى اليأس أو التخلي عن الحقوق، داعيًا إلى مواصلة الجهود حتى يمثل المسؤولون عن الجرائم أمام القضاء المختص وتتاح للضحايا فرصة الوصول إلى العدالة والإنصاف.
ومنذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 ترتكب (إسرائيل)، بدعم أمريكي، إبادة جماعية في غزة، خلفت أكثر من 74 ألف شهيد وما يزيد على 175 ألف جريح، ودمارا طال 90% من البنى التحتية.