تتابع حوادث العنف التي يقع فيها الأطفال في المدارس، وما ينجم عن بعضها أحيانًا من إزهاق للأرواح، ينبغي أن يدفعنا إلى التوقف والتفكير. وليس من الصواب أن ننظر إلى كل حادثة باعتبارها جريمة منفردة فحسب؛ لأن ذلك لا يتجاوز ظاهر المشكلة. أما السؤال الأعمق فهو: ماذا حدث للإنسان؟ وكيف وصل طفل إلى مرحلة يستطيع فيها أن يؤذي إنسانًا آخر أو يزهق روحه دون أن يدرك فداحة ما يفعل؟
حين نتحدث عن التعليم، كثيرًا ما نتحدث عن النجاح والامتحانات والمهنة والمستقبل المادي. لكنّ ثمة سؤالًا ينبغي أن يسبق كل ذلك: من هو الإنسان؟
فالإنسان لم يُخلق ليكون مجرد مستهلك أو منتج، ولا ليعيش في سباق دائم مع الآخرين من أجل المال والمكانة. إنه مخلوق مكرّم، حُمّل الأمانة، وجُعل خليفة في الأرض. فإذا استقر هذا المعنى في عقل الطفل وقلبه، لم يعد الإنسان الآخر في نظره شيئًا عابرًا يمكن إيذاؤه أو التخلص منه، بل أصبح نفسًا لها حرمتها وكرامتها.
وكان الشيخ سامي أفندي رحمه الله يقول إن بداية طريق الوصول إلى الإنسان الكامل هي ألا تؤذي أحدًا، ونهايته ألا تتأذى من أحد، وكان يقول إن الأول سهل والثاني صعب.
فأن تكف يدك ولسانك عن إيذاء الآخرين أمر يستطيع الإنسان أن يجاهد نفسه فيه، أما ألا يتأذى من الناس، فذلك يحتاج إلى تربية أعمق للنفس، وللتوقعات، وللنظر إلى الدنيا.
ولعل هذا بالضبط من أعظم ما فقدناه اليوم: ثقافة تجعل عدم إيذاء الإنسان أصلًا من أصول التربية.
لقد تشكل هذا المجتمع عبر قرون، لا بالعلم وحده، بل بهذا النوع من الحكمة والأخلاق. كان احترام الجار، ورعاية الضعيف، والرحمة بالحيوان، وضبط النفس عند الغضب، ومراعاة حرمة الإنسان، معاني حاضرة في الحياة اليومية.
ولا يعني ذلك أن الماضي كان خاليًا من الشرور؛ فلم يكن كذلك. لكن كان هناك أساس أخلاقي قوي يضع قيمة الإنسان في مركز النظر.
فماذا حدث لنا؟
ليس من الإنصاف أن نبحث عن الجواب في الأطفال وحدهم، ولا في الأسرة وحدها، ولا في وسائل التواصل وحدها. علينا أيضًا أن نعيد النظر في فلسفة التعليم نفسها. فإذا اختُزل الإنسان في النجاح المادي والمنافسة والأداء، وأُبعدت الأخلاق والمعنى الروحي عن مركز العملية التربوية، فلا يمكن أن نتجاهل الفراغ الذي قد ينشأ في داخله.
ولا شك أن ضعف الأسرة، واستيلاء العالم الرقمي على حياة الأطفال، والمحتويات التي تجعل العنف والإهانة أمرًا عاديًا، والنماذج السيئة، والتنمر، والوحدة، وضعف التواصل؛ كلها عوامل متداخلة في هذه المشكلة. لكن يبقى السؤال الأهم: من سيعلّم الطفل قيمة الإنسان؟ وكيف؟
فلنعُد إلى التفكير في التعليم من خلال الإنسان.
من هو الإنسان؟ ولماذا جاء إلى هذه الدنيا؟ كيف ينبغي أن تكون علاقته بنفسه؟ وما مسؤوليته تجاه الإنسان الآخر؟ وكيف يتعامل مع الأشياء من حوله؟ وكيف يبني علاقته بربه؟
فإذا نقل التعليم المعلومات دون أن يجيب عن هذه الأسئلة، فقد يخرج أناسًا متعلمين، لكنه لن يضمن بالضرورة أن يخرج أناسًا صالحين.
فلنعلّم أبناءنا الرياضيات واللغات والتاريخ والعلوم، ولكن لنعلمهم معها حرمة الإنسان، والرحمة، والأمانة، والحياء، والاعتدال، وأدب عدم الإيذاء.
ولننظر إلى الأسرة والمدرسة باعتبارهما حلقتين في منظومة واحدة. فالمدرسة لا تستطيع وحدها أن تصلح ما تفسده البيئة المحيطة، والأسرة لا تستطيع أن تعزل أبناءها عن عالم رقمي مفتوح بلا حدود.
لا يجوز أن نترك الطفل أمام عالم رقمي بلا رقابة ولا توجيه، ثم نطالبه بعد ذلك بأن يكون رحيمًا ومتزنًا.
إن القضية ليست كاميرات مراقبة وعقوبات وإجراءات أمنية عند أبواب المدارس فحسب. هذه الإجراءات ضرورية لحماية الأطفال، لكنها لا تستأصل العنف من جذوره.
فإذا حاولنا أن نمنع العنف عند باب المدرسة فقط، فلن نستطيع أن نخرجه من قلب الإنسان.
إن القضية في جوهرها هي أن نعيد تربية الإنسان بوصفه إنسانًا.
ولعل ما نحتاج إليه اليوم، قبل أي إصلاح تعليمي، هو أن نستعيد تصورًا واضحًا عن حقيقة الإنسان وكرامته وغاية وجوده.
فالطفل الذي يعرف قيمة الإنسان، يعرف قيمة حياته.
وربما كانت أول كلمة ينبغي أن نستعيدها هي:
ألا نؤذي أحدًا.



