كلما اقترب الفلسطيني من صندوق الاقتراع، اصطدم بحسابات تعيده إلى مقاعد الانتظار. تتغير المبررات، وتبقى النتيجة واحدة: حرمان المواطن من اختيار ممثليه، وإبقاء المؤسسات الوطنية أسيرة الأشخاص والمصالح الحزبية.
والخطر أن يتحول تعطيل الانتخابات إلى أسلوب حكم، تُفتح أبوابه حين تخدم السلطة، وتُغلق عندما تهدد توازناتها.
اليوم، يعيد التوجه لتأجيل الانتخابات التشريعية استحضار تجربة عام 2021، حين أُجّلت بدعوى ضمان مشاركة القدس. والقدس حق وطني لا يُساوَم عليه، لكن حمايتها تستدعي مواجهة عراقيل الاحتلال، لا تعليق حق الفلسطينيين في الانتخاب إلى أجل مجهول.
هذه المرة، بدأت الإجراءات القانونية، واستُقبلت طلبات ترشح القوائم، وأصبح المسار الانتخابي واقعًا عمليًا. والتراجع عنه يبعث برسالة خطيرة: القانون ملزم للمواطن، لكنه قابل للتعطيل عندما يربك حسابات أصحاب القرار.
يتحمل الرئيس محمود عباس المسؤولية السياسية الأولى عن هذا المسار. فلا يجوز اختزال المصلحة الوطنية في استمراره، أو مستقبل نجله، أو حسابات قيادة فتح.
والمؤسسات ليست ملكية عائلية ولا حصة حزبية؛ شرعيتها تُستمد من الناس، ولا تُجدَّد بمجرد بقاء أصحابها في مواقعهم.
وفي تقديري، تستفيد إسرائيل من غياب تمثيل فلسطيني متجدد، في حين يمنح استمرار قيادة محدودة الخيارات الولايات المتحدة مساحة أوسع للتأثير في القرار الفلسطيني. وهذه قراءة لنتائج التعطيل، لا ادعاء بوجود اتفاق خفي على أسبابه.
ولا يملك فرد تعطيل إرادة وطنية، كما لا يمنح توافق الفصائل على التأجيل حق مصادرة صوت المواطن. فبعد ثلاث سنوات من الإبادة، يستحق الفلسطيني أن يحدد موقفه، ويختار قيادته، ويحاسب المسؤولين عن واقعه.
وينطبق ذلك على المجلس الوطني؛ فأي انتخابات جزئية تحت مسمى «التجمعات الانتخابية»، تفتقر إلى الشمول والتنافس، تهدد بإعادة إنتاج الاستفراد.
تمثيل الفلسطينيين في الداخل والشتات يحتاج إلى مشاركة وطنية واسعة، لا إجراءات تمنح الترتيبات القائمة غطاءً انتخابيًا.
المطلوب موعد ملزم، وضمانات للمشاركة، ورقابة مستقلة، والتزام باحترام النتائج. أما استدعاء الشعب للتأييد واستبعاده عند الاختيار، فهو إفراغ للمؤسسات من معناها. فلسطين أكبر من الأشخاص والأحزاب، وحق شعبها في تقرير مستقبله لا يخضع لمصلحة البقاء في السلطة. والذي يخشى حكم الصندوق، لا يحق له احتكار الحديث باسم الشعب.