في السابع من أكتوبر، تغيرت غزة، وتغيرت معها تفاصيل الحياة: البيت، والشارع، والمدرسة، والنوم، والشعور بالأمان. دخل الفلسطيني مرحلة اختلط فيها الفقد بالصمود، والخوف بالشجاعة، والدم بالذاكرة، والركام بإصرار الإنسان على البقاء.
ثلاثة أعوام من الحرب والفقد والنزوح والانتظار؛ رحل فيها شهداء، وغابت وجوه، وتهدمت بيوت، وتبدلت حياة أجيال.
لكنها كانت أيضًا ثلاثة أعوام أثبت فيها الفلسطيني أنه قد يُثقل بالألم، لكنه لا يفقد قدرته على النهوض.
الشهداء.. ذاكرة لا تغيب
في هذه الذكرى، لا تبدأ الحكاية من الركام، بل من الذين رحلوا.
الشهداء ليسوا أرقامًا في قوائم، بل آباء وأمهات وأبناء وأصدقاء، كانت لهم أحلامهم وحكاياتهم وأيامهم التي لم تكتمل.
رحلوا عن أعيننا، لكنهم بقوا في الذاكرة والوجدان. وتخليدهم لا يكون بحفظ أسمائهم فقط، بل بأن نحافظ على الحياة التي أحبوا، وأن نجعل من تضحياتهم دافعًا لبناء مستقبل أكثر كرامة.
لن نعيدهم إلى الحياة، لكننا نستطيع ألا نسمح للغياب أن يمحو أثرهم.
الصمود.. الوجه الآخر للوجع
الركام ليس كل الحكاية. خلف كل بيت مهدّم عائلة تحاول أن تبدأ، وخلف كل رحلة نزوح إنسان يحمل ما استطاع من ذاكرته، وخلف كل أم في الخيمة محاولة لصناعة الأمان لأطفالها.
*الصمود ليس ألا نتألم؛ بل أن نتألم ولا نتوقف. أن نفقد ولا نفقد إنسانيتنا*، وأن نخاف ولا نتخلى عن بعضنا، وأن نهدم بيتًا ثم نفكر في اليوم الذي سنبني فيه بيتًا آخر.
*لم تكن غزة قوية لأنها لم تتألم؛ كانت قوية لأنها تألمت وبقيت*.
من النجاة إلى صناعة الحياة
لقد علمتنا الحرب كيف ننجو، لكن المرحلة القادمة يجب أن تعلمنا كيف نعيش.
في الأسرة، نعيد لأطفالنا شيئًا من طفولتهم: اللعب، والتعليم، والقراءة، والرياضة، والأحلام. وفي المجتمع، ننتقل من تقاسم القليل إلى تقاسم المسؤولية؛ نساند من فقد، ونرعى من تعب، ونفتح أبواب العلم والعمل، ونعيد بناء الثقة.
فالوفاء للشهداء لا يعني أن نبقى أسرى للحظة رحيلهم، بل أن نحول الذاكرة إلى وعي، والصمود إلى بناء، والتضحيات إلى مستقبل.
من الرماد يولد الفينيق
في الأسطورة، يحترق الفينيق ثم ينهض من رماده. وغزة، بكل جراحها، تستطيع أن تجعل من هذه الصورة معنى للمستقبل.
لا نريد أن نخرج من الرماد نسخة من الماضي؛ نريد أن نخرج أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على حماية الإنسان، وإدارة الأزمات، وبناء المؤسسات، وصناعة المستقبل.
قد يكون الطريق طويلًا، لكن الشعوب لا تُقاس بما أصابها فقط، بل بما تفعله بعد أن تُصاب.
في ذكرى 7 أكتوبر، سنحمل أسماء شهدائنا في قلوبنا، ووجعنا في ذاكرتنا، وصمودنا في تاريخنا، لكننا سنفتح أعيننا على الغد.
فقد احترق الكثير، لكن لم يحترق كل شيء.
بقي الإنسان، وبقيت الذاكرة، وبقيت الأسرة، وبقيت الأرض، وبقيت القدرة على الحلم.
ومن هذه البقايا تبدأ الحكاية من جديد:
من بين الركام تنبت شجرة، ومن بين الدموع تولد ابتسامة، ومن بين الرماد ينهض الفينيق.
*وفي ذكرى الشهداء نقول: لن ننساكم.. ولن نسمح للألم أن يكون خاتمة الحكاية*.