لم يكن ملعب فلسطين مجرد منشأة رياضية تحتضن مباريات كرة القدم في قطاع غزة، بل كان على مدار سنوات مساحة نابضة بالحياة، وذاكرة تختزن أبرز محطات الرياضة الفلسطينية، ووجهة للرياضيين والجماهير ومتنفسا لعشاق كرة القدم.
لكن حرب الإبادة الإسرائيلية على القطاع قلبت المشهد رأسا على عقب، فتحول الملعب الذي كان يصدح بهتافات الجماهير إلى مساحة مكتظة بخيام النازحين، بعدما طالت أجزاء واسعة منه عمليات القصف والتدمير.
منذ إنشائه عام 1998، ارتبط ملعب فلسطين بذاكرة أجيال من الرياضيين الفلسطينيين، واستضاف مباريات الدوري المحلي وتدريبات الأندية والمنتخبات الوطنية، إلى جانب مناسبات رياضية بارزة.
أما اليوم، فقد اختفت مساحات واسعة من ملامحه الرياضية، وحلت الخيام مكان أرضية الملعب، فيما وجد آلاف النازحين أنفسهم مضطرين للإقامة في محيطه وتحت مدرجاته، بعدما دمرت منازلهم خلال الحرب.
منشأة رياضية تحولت إلى مأوى
لم يكن ملعب فلسطين استثناء في المشهد الرياضي في غزة، إذ تعرضت مئات المنشآت الرياضية الفلسطينية للتدمير أو الأضرار خلال الحرب.
ودمر الاحتلال أكثر من 265 ملعبا وصالة رياضية ومقرا للأندية تضررت كليا أو جزئيا، فيما استشهد أكثر من ألف رياضي فلسطيني، بينهم مئات اللاعبين والمدربين في كرة القدم.
ويؤكد أمين عام اتحاد الإعلام الرياضي الفلسطيني مصطفى صيام أن الاستهداف الذي طال القطاع الرياضي لم يكن عشوائيا، مشيرا إلى أن الأضرار امتدت من الملاعب والأندية إلى الاتحادات والمؤسسات والكوادر الرياضية.
ويرى صيام في حديثه لـ"صحيفة فلسطين" أن الحرب أدت إلى تدمير شبه كامل للمنظومة الرياضية في قطاع غزة، بعدما خرجت غالبية المنشآت عن الخدمة، فيما تحول عدد كبير منها إلى أماكن لإيواء النازحين الذين فقدوا منازلهم.
وكان ملعب فلسطين في مقدمة المنشآت التي تبدلت وظيفتها بصورة قاسية، فالمكان الذي كان يستقبل اللاعبين والجماهير والبطولات أصبح مركزا لإيواء أعداد كبيرة من العائلات النازحة، في مشهد يعكس حجم الكارثة التي أصابت الحياة الرياضية في القطاع.
من هتافات الجماهير إلى صمت الخيام
يحمل ملعب فلسطين بالنسبة إلى اللاعب والمدرب السابق في المنتخب الفلسطيني صائب جندية ذاكرة شخصية طويلة، إذ قضى أكثر من 35 عاما في ملاعب غزة، وكان الملعب أحد أبرز الأماكن التي ارتبط بها خلال مسيرته الرياضية.
ويستذكر جندية في حديثه مع "صحيفة فلسطين" مباريات وتدريبات ومحطات رياضية بارزة شهدها الملعب، من بينها المواجهة الودية التي جمعت المنتخب الفلسطيني بنادي الزمالك المصري عام 2000، ومباراة اتحاد الشجاعية أمام الوحدات الأردني في العام نفسه.
لكن المفارقة المؤلمة أن جندية الذي اعتاد دخول الملعب لاعبا ومدربا، أصبح يزوره اليوم للاطمئنان على أقاربه الذين يعيشون داخله بعد نزوحهم من حي الشجاعية، الذي تعرض لدمار واسع.
ويقول جندية إن مشاهدة الملاعب التي عاش فيها أجمل سنوات حياته وقد تحولت إلى أطلال ومراكز إيواء تمثل مشهدا بالغ القسوة، مؤكدا أن الخسارة لم تقتصر على المباني والمنشآت، بل امتدت إلى الرياضيين الذين فقدتهم غزة خلال الحرب.
كما فقد جندية منزله في الشجاعية، ليعيش بدوره تجربة النزوح، في وقت يرى فيه أن إعادة بناء القطاع الرياضي ستحتاج إلى جهود كبيرة، لكنها ليست مستحيلة.
الرياضة الفلسطينية تحت الركام
لا تقتصر مأساة ملعب فلسطين على الدمار المادي، إذ تعرضت منشآت رياضية ومؤسسات مرتبطة بالحركة الرياضية الفلسطينية لأضرار كبيرة، من بينها مؤسسات وأندية واتحادات وصالات وأكاديميات.
ويشير صيام إلى أن الرياضة الفلسطينية تمثل أكثر من مجرد نشاط تنافسي، فهي جزء من الحياة الاجتماعية والهوية الوطنية الفلسطينية، كما أنها إحدى المساحات التي يحضر من خلالها اسم فلسطين على الساحة الدولية.
ولهذا، فإن تدمير الملاعب لا يعني فقط فقدان أماكن لممارسة كرة القدم أو الألعاب الأخرى، وإنما يعني أيضا قطع الطريق أمام أجيال من الأطفال والشباب لممارسة الرياضة، وإضعاف البنية التي تقوم عليها الحركة الرياضية الفلسطينية في القطاع.
في ملعب فلسطين تحديدا، اختلطت ذاكرة الرياضة بذاكرة الحرب والنزوح، بعدما اضطر آلاف الفلسطينيين إلى الاحتماء في المكان الذي اعتادوا التوجه إليه لمشاهدة المباريات وتشجيع فرقهم.
محمد جندية.. مشجع يعيش داخل الملعب
من بين النازحين الذين وجدوا أنفسهم داخل ملعب فلسطين محمد جندية، الذي كان يأتي إلى المكان سابقا مشجعا لفريق اتحاد الشجاعية، قبل أن يصبح الملعب نفسه مأوى له ولعائلته.
ويصف محمد المفارقة المؤلمة بين الأمس واليوم، فزيارة الملعب كانت بالنسبة إليه مناسبة للترفيه وتشجيع فريق الحي، بينما يعيش فيه حاليا داخل خيمة، منتظرا فرصة للعودة إلى منزله الذي دمرته الحرب.
وبينما كانت أصوات الجماهير وهتافاتها وركلات الكرة تشكل ذاكرته القديمة في المكان، أصبحت تفاصيل الحياة اليومية للنازحين هي المشهد الطاغي.
ويتمثل ذلك في البحث عن الماء والطعام وتأمين احتياجات الأسرة، في ظل ظروف قاسية.
ويحمل الملعب كذلك ذاكرة أكثر ألما، بعدما شهد خلال الحرب سقوط ضحايا بين النازحين الذين لجؤوا إليه بحثا عن الأمان.
رغم الركام.. كرة القدم تتمسك بالحياة
ورغم حجم الدمار الذي أصاب الرياضة الفلسطينية، فإن محاولات إعادة النشاط الرياضي إلى غزة بدأت تظهر تدريجيا، من خلال إقامة بطولات محدودة في الملاعب التي نجت جزئيا من الحرب.
ويتمسك جندية بفكرة عودة الرياضة إلى غزة، مستندا إلى قدرة الفلسطينيين على إعادة بناء حياتهم بعد الحروب السابقة، مشيرا إلى أن النشاط الرياضي توقف في مراحل سابقة، لكنه عاد من جديد.
وبينما يحتاج ملعب فلسطين إلى إعادة إعمار شاملة ليستعيد دوره، تبقى الذكريات المرتبطة به حاضرة لدى أجيال من اللاعبين والجماهير، فقد تغير شكل الملعب، وتحولت مدرجاته وأرضيته إلى مساحة للنازحين، لكن رمزيته لم تنته.
وبين الخيام التي نصبت فوق أرضه، لا تزال كرة القدم حاضرة في ذاكرة الفلسطينيين، كجزء من حياة لم تنجح الحرب في محوها.


