☰
✕

قائمة الموقع

الأقصى في قلب الطوفان.. ثلاث سنوات على معركة لم تنتهِ

2026-10-08T10:49:00+03:00
فلسطين أون لاين

منذ بداية معركة "طوفان الأقصى"، وانطلاق العدوان الوحشي بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، واستبسال المقاومة الفلسطينية في القطاع، وهناك قضية تسعى أذرع الاحتلال أن تظهر بأنها استطاعت إجهاض الطوفان من خلالها، والتي تتمحور بأن "طوفان الأقصى" لم يحم المسجد الأقصى والمدينة المحتلة، وتحاول أذرع الاحتلال إظهار "فشل" الطوفان، من خلال تصعيد فرض الإجراءات العقابية بحق المقدسات والمقدسيين، ومضيها في تطبيق سياساتها التهويديّة المختلفة، ولكن *القراءة المتأنية لواقع القدس منذ السابع من أكتوبر، يظهر بأن الرسائل العلنية أو المضمرة، التي ترسلها سلطات الاحتلال لم تستطع أن تغيّر حقيقة ما حققه الطوفان*، وأن محاولات الاحتلال لإظهار قدرته على تشديد قيوده من جهة واعتداءاته من جهة أخرى، ليست إلا دليلًا على أن معادلة الصراع حول الأقصى لم تُحسم، وأن الاحتلال لا يزال يتعامل مع المسجد باعتباره نقطة ضعف استراتيجية قابلة للانفجار، لا ملفًا مقدسيًا جرى تجاوزه.

*بدأت معركة "طوفان الأقصى" على أثر انتهاء الأعياد اليهوديّة في شهر أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي شهدت جملةً من الاعتداءات بحق المسجد الأقصى*، وما يرافق الأعياد العبرية من إجراءات قمعية بحق المسجد ومكوناته البشريّة.

وعلى أثر انطلاق حرب الإبادة وما جرى خلالها من تشديد لهذه القيود، التي أثرت على أعداد المصلين في المسجد في الأسابيع الأولى منها، شكلت جزءًا من سياسة إحلاليّة أوسع اتخذت من الحرب ذريعة لتوسيع القيود المفروضة على الأقصى، أدت إلى تراجع أعداد المصلين في بعض الجُمع إلى نحو 4500 مصلٍ فقط.

وهنا من المهم التنبّه إلى مفارقة مركزيّة، فما كان تسعى إلى تحقيقه سلطات الاحتلال، من تصعيد لفرض القيود، وإرسال رسالة بأن "الطوفان" قد فشل في حماية الأقصى، فإن الوقائع نفسها تقول بأن المسجد كان حاضرًا بقوة في حسابات الاحتلال بعد المعركة وحتى اليوم، فقد تعامل الاحتلال مع الوصول إلى الأقصى باعتباره مسألة أمنية وسياسية مركزية، وشدد الحواجز والانتشار العسكري، وضيّق على المصلين، وفي المقابل واصل السماح باقتحامات المستوطنين للمسجد.

وقد أظهرت السنوات الثلاث التالية، تصاعد محاولات الاحتلال فرض سيطرته على المسجد، فقد شهدت السنوات الماضية تصاعدًا في أعداد مقتحمي الأقصى، وصلت ذروتها في موسم الأعياد العبرية الأخير، حيث سجّل هذا الموسم مشاركة قياسية بلغت أكثر من 11,300 مستوطن في الاقتحامات، حيث بدأ بـ 593 مقتحمًا في "رأس السنة العبرية"، وارتفع إلى 1678 في "الغفران"، ليصل العدوان ذروته في "عيد العرش" بتسجيل 9123 مقتحمًا، بزيادة ملحوظة عن العام الماضي، إن في حصيلة العدوان بشكلٍ عام، أو في الأعياد كلٌّ منها على حدا. ولم يقتصر التصعيد على الأرقام، فقد تجلى في انتقال المقتحمين إلى أداء طقوس دينية علنية وجماعية فور اقتحامهم المسجد، وبمشاركة وزراء ومسؤولين في الكيان. وقد تركزت هذه الانتهاكات بشكل كبير في ساحات الأقصى الشرقية، وتضمنت إقامة حلقات رقص وغناء وترانيم، وأداء الانبطاح الجماعي "السجود الملحمي"، فضلاً عن أداء طقوس "بركات الكهنة" وطقوس التمجيد "هاليل".

لكن *فهم علاقة "طوفان الأقصى" بالأقصى لا ينبغي أن يبدأ من 7 أكتوبر وينتهي عند القيود التي فرضها الاحتلال بعده؛ فهذه العلاقة أقدم من ذلك بكثير*. ولعل النموذج الأوضح على ذلك ما جرى في عام 2021، حين تحولت القدس والأقصى إلى مركز مواجهة فلسطينية واسعة، على خلفية اقتحامات المسجد والاعتداء على المصلين ومحاولات تهجير العائلات الفلسطينية من حي الشيخ جراح، وفي ذلك الوقت، لم تتعامل المقاومة في قطاع غزة مع ما يجري في القدس باعتباره شأنًا منفصلًا عن بقية الساحة الفلسطينية. ففي 10 مايو/أيار 2021، وجهت غرفة العمليات المشتركة لفصائل المقاومة في غزة إنذارًا إلى الاحتلال طالبت فيه بسحب قواته من المسجد الأقصى والشيخ جراح والإفراج عن المعتقلين، وحددت لذلك مهلة زمنية، قبل أن تُطلق فصائل المقاومة صواريخ باتجاه القدس بعد انتهاء المهلة.

وتكمن أهمية نموذج 2021 في أنه يكشف بوضوح وضع المقاومة الفلسطينية للأقصى على رأس أولوياتها، وكان تدخلها في معركة "سيف القدس" السبب المركزي لكفّ يد الاحتلال، وعنصرًا حاضرًا في تشكيل معادلة جديدة من الصراع، لم يقبل بالاعتداء على المسجد، وتدخل في الوقت المناسب في ظل مواجهة شرسة على أرض الواقع، حيث كان الفلسطينيين في القدس وساحات الأقصى والشيخ جراح يخوضون مواجهة ميدانية مباشرة. وهكذا تداخلت ساحات المواجهة: القدس في الميدان، وغزة في الإسناد، والضفة والداخل الفلسطيني في الاحتجاج والمواجهة.

وهذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن ما جرى بعد السابع من أكتوبر يمكن اختزاله في قضية الأقصى، أو أن المقاومة تتحمل مسؤولية القرارات التي اتخذتها سلطات الاحتلال بحق القدس والمقدسيين خلال السنوات الماضية. فهذه القرارات التهويديّة والاستيطانيّة جزءٌ من مشروع إحلاليّ أرسخ قدمًا، وأمضى أثرًا، تتداخل في هذا المشروع الاعتبارات الأمنية والدينيّة والاستيطانية والديموغرافية، وقد تصاعدت بصورة واضحة مع صعود اليمين الإسرائيلي المتطرف، وكانت موجاتها الأخيرة الأشدّ، لأن الاحتلال تلطّى خلف حرب الإبادة والانشغال العالمي بما يجري من حروب متتالية ابتداءً بحرب الإبادة، وصولًا إلى الحرب مع إيران، ليمضي قدمًا في عدوانه على القدس ومقدساتها، وهو ما يعني مرة جديدة بأن العلاقة السببية التي يروّج لها البعض، وتحميل الضحية مسؤولية إجراءات الاحتلال، قضية لا تمتّ للواقع بصلة، فالاحتلال هو المسؤول الأول والأخير، وهو الذي كان يسعى وما زال لفرض سيادته على المسجد، وتهويد القدس بشكلٍ كامل.

وإلى جانب القضية السابقة، من المهم الإشارة إلى أن *قضية الدفاع عن الأقصى وحمايته لا يجب أن ترتبط بالسابع من أكتوبر فقط، فما كانت تريده المعركة هو إطلاق شرارة أوسع وأكبر، تُشعل موجات متتالية من الطوفان*، ولكن الاستجابة لها النداء في تلك الفترة لم تكن على قدر المأمول، وتابعنا كيف استطاع الاحتلال شنّ حرب همجية وحشيّة بغطاء غربي غير مسبوق، وهو ما يعيدنا إلى الرسالة المركزية التي سعى الطوفان إلى ترسيخها، بأن حماية المسجد الأقصى لا يُمكن أن يكون منجزًا مباشرًا، فهو بحقيقة الأمر صراعٌ طويل على الهوية والوجود والقدرة على منع الاحتلال من تحويل السيطرة الأمنية إلى سيادة دينية وسياسية دائمة.

وبذلك، فإن *الأقصى في الذكرى الثالثة للطوفان، يقدم شهادة على استمرار الصراع على المسجد، وعلى عجز الاحتلال عن تحويل سيطرته العسكرية على القدس إلى قبول فلسطيني أو عربي أو إسلامي بالواقع الذي يحاول فرضه*، وأن ما قدمته المقاومة للدفاع عن الأقصى، كان لزامًا أن تتلقفها السواعد لتستكمل مسيرة التحرير، ويبقى درس "سيف القدس" حاضرًا، عبر إشعال المواجهة الشاملة، والرسالة المركزية في الذكرى الثالثة للطوفان، إلى السواعد التي يجب أن تتلقف نداء غزة وطوفانها، وأن معركة الدفاع عن المسجد ليست حكرًا على المقدسيين أو الفلسطينيين، ولكنها مسؤولية جامعة، لكل أفراد الأمة وقياداتها ونخبها، والأخطر أن استقراء *ما جرى في السنوات الثلاثة الماضية، يؤكد أن غزة ومقاومتها كانت سباقة في استبصار الخطر، والسعي إلى لجم الاحتلال*، ولكن حالة الخذلان العربي والإسلامي، تركت غزة وحيدة، كما تترك الأقصى اليوم وحيدًا، إلا من عبارات التنديد والشجب، والاحتلال يمضي قدمًا في عدوانه ومخططاته.

اخبار ذات صلة