بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، لم تعد الضفة الغربية تعيش أزمة عابرة يمكن انتظار نهايتها، بل واقعًا يزداد اختناقًا يومًا بعد آخر، حتى باتت الحياة اليومية أشبه بمعركة مفتوحة بدون قواعد اشتباك، فتتراجع القدرة على الاحتمال، وتتسع رقعة الاعتداءات، فيما يبدو الفلسطيني محاصرًا بين احتلال يفرض الوقائع بالقوة، وسلطة تكتفي في كثير من الأحيان بوصف ما يحدث، وعالم يتقن لغة الإدانة أكثر من لغة الفعل.
لم يعد ممكنًا الاستمرار في تبرير كل ما يجري بذريعة السابع من أكتوبر، فبعد ثلاث سنوات، أصبحت القيود المفروضة على الحركة والخنق الاقتصادي، والاعتداءات المتكررة على القرى والأراضي الزراعية، جزءًا من واقع يشكل تفاصيل الحياة كلها.
العامل يكافح للوصول إلى عمله، والتاجر يواجه تراجع الحركة التجارية، والمزارع يخشى الوصول إلى أرضه، أما العائلات، فتعيش تحت ضغط اقتصادي ونفسي متواصل، دون أن تعرف متى ينتهي هذا الاستنزاف، أو ما الذي ينتظرها في اليوم التالي؟
ويأتي موسم الزيتون الثالث ليكشف حجم المأساة، فبدلًا من أن يكون موسمًا للرزق والعمل، تحول في مناطق فلسطينية، لا حصر لها، إلى مواجهة يومية مع إرهاب المستوطنين وقيود الوصول إلى الأراضي، فلم يعد المزارع منشغلًا بمحصوله وحده، بل بسلامته وسلامة أفراد عائلته، وقد يخسر عامًا كاملًا من العمل بسبب هذا الإرهاب أو التخريب، وفي بعض المواقع، بات الوصول إلى شجرة الزيتون يحتاج إلى ما يشبه معركة، في حين تتكرر الاعتداءات وتتسع رقعتها، ويظل السؤال عن الحماية والمحاسبة بلا إجابة كافية.
لكن الأكثر إثارة للغضب ليس استمرار الاعتداءات وإرهاب المستوطنين وحده، بل الاعتياد الرسمي والدولي على التعامل معها، حتى باتت كل جريمة تنتج بيانًا، وكل تصعيد يستدعي إدانة، وكل تقرير يضيف أرقامًا جديدة إلى سجل لا نهائي من الانتهاكات، ثم تنتهي الجولة الإعلامية، ويعود الفلسطيني إلى واقعه، بينما يواصل المستوطن إرهابه، ويواصل الاحتلال فرض قيوده، وكأن المطلوب من الفلسطيني أن يكتفي بمعرفة أن العالم متضامن معه، وأن يقدّر ذلك حتى لو لم يتغير شيء في يومياته.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إحراجًا للسلطة الفلسطينية: فإلى متى سيبقى الرد الرسمي أسير البيانات والتصريحات؟ لا أحد يجهل حجم القيود التي يفرضها الاحتلال، ولا أحد يستطيع تجاهل محدودية أدوات السلطة وأزمتها المالية والسياسية، لكن هذه الحقائق لا يمكن أن تتحول إلى إعفاء مفتوح من المساءلة، فحين تتعرض القرى للاعتداءات، ويخسر المزارعون مواسمهم، ويزداد التضييق على الناس، يصبح من حق الفلسطيني أن يسأل عن نتائج التحرك السياسي والدبلوماسي، وعن الخطط العملية لحماية التجمعات المهددة، وعن جدوى الأدوات المستخدمة إذا استمرت الوقائع على الأرض في التدهور.
المشكلة ليست في إصدار بيان يدين إرهاب المستوطنين، بل في أن يصبح البيان بديلًا عن الفعل، أيّ فعل، بل في غياب أي مسار واضح يربط التنديد بالضغط والمحاسبة والدعم الملموس للمزارعين، فالفلسطيني لا يحتاج إلى من يشرح له حجم الكارثة؛ لأنه يعيشها يوميًا، فما يحتاج إليه هو قيادة تُحرّك كل ما تملكه من أدوات، وتصارحه بما تستطيع فعله، وتراجع أداءها وتطوره، خاصة عندما تعجز أدواتها المهترئة عن إحداث أي تغيير إيجابي، بل على العكس تمامًا.
أما الصمت الدولي، فهو أكثر من مجرد غياب للتصريحات، إنه الفجوة بين معرفة ما يحدث من جانب، والامتناع عن اتخاذ خطوات كافية لوقفه من الجانب الآخر، فالأمم المتحدة وغيرها توثّق، والحكومات تعرب عن قلقها، والدبلوماسيون يتحدثون عن ضرورة حماية المدنيين، لكن الفلسطيني يسمع جعجعة ولا يرى طحينًا.
وحتى حين تتخذ دول غربية إجراءات تتعلق بالمستوطنات، كما الحال مع كلٍّ من هولندا وبريطانيا، وطبيعة الرد الإسرائيلي، يبقى السؤال: هل ستتحول هذه المواقف إلى ضغط مستمر، وهل ستتسع دائرة عزلته، أم ستظل في حدود الخلافات الدبلوماسية التي تنتهي بتبادل الاحتجاجات؟
فالإدانة التي لا تتبعها إجراءات رادعة تفقد جزءًا من معناها، مهما كانت كلماتها بليغة، والضغط الذي لا يغير حسابات الاحتلال ويردعه، يبقى محدود الأثر، لذلك لا يكفي أن يعلن العالم رفضه للاستيطان ويجرّم إرهاب المستوطنين، بل عليه أن يوضح كيف سيمنع استمراره، وكيف سيحاسب المسؤولين عنه، وكيف سيحمي حقوق الفلسطينيين في الوصول إلى أراضيهم أو حتى البقاء فوقها.
فالقانون الدولي لن يفقد أهميته فقط، بل إن قيمته العملية تتراجع في نظر الفلسطينيين حين يرون أن تطبيقه يتوقف عند حدود التصريحات.
بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، لم تعد الضفة الغربية بحاجة إلى مزيد من وصف معاناتها، بل إلى كسر الحلقة التي تتكرر فيها الجريمة ثم الإدانة فالنسيان، فالاحتلال يفرض الوقائع، والمستوطنون يتمادون في إرهابهم، قتلًا وتدميرًا، والسلطة تصدر بياناتها، والعالم يسجل اعتراضه، بينما يدفع الفلسطيني الثمن من أمنه ورزقه وأرضه.
قد يقول قائل: ليس المطلوب من السلطة أن تدّعي امتلاك حلول سحرية، ولا من المجتمع الدولي أن ينهي الاحتلال ببيان واحد، بل المطلوب فعل سياسي وقانوني ودبلوماسي منظم، ومساءلة واضحة عن النتائج، وضغط يترجم المواقف المعلنة إلى خطوات ملموسة، أما أن يبقى الفلسطيني وحده في مواجهة الاعتداءات، ثم يسمع من الجميع أن ما يتعرض له مرفوض، فذلك يعني أن الإدانات والبيانات تحولت إلى طقوس سياسية مريحة لمن يصدرونها، لا أداة لحماية من يحتاجون إليها.