فلسطين أون لاين

من غزة ألف شكر وكل الحب.. حين تصبح الشهادة مقاومة

"مئة سفينة حبّ لغزة" ليس كتابا عابرا بين عشرات ملايين الكتب  المنتشرة في العالم، ولا سيرة شخصية تكتب لاستعادة الماضي فقط؛ إنه شهادة إنسانية ووثيقة مفتوحة على الذاكرة والعدالة، كتبتها المناضلة د. لينا الطبال من قلب التجربة.

كان بإمكان لينا الطبال لبنانية الاصل فرنسية الجنسية أن تعيش حياتها الأكاديمية بين هدوء باريس وأسئلة بيروت القلقة، وأن تؤدي دورا أكاديميا وحقوقيا مساندا للشعب الفلسطيني بالكلمة والمحاضرة والمشاركة في مسيرات التضامن والوقفات الاحتجاجية.

لكنها رأت أن الاكتفاء بالكلام عن الظلم، مهما كان صادقا، يظل أقل من مواجهة التجربة نفسها. لذلك اختارت أن تنتقل من موقع الباحثة والحقوقية التي تراقب الحدث إلى موقع الإنسان الذي يخوض المعركة وجهًا لوجه.

أطلقتها الطبال، لا راحة وغزة يفتك بها، ولا سلام وغزة تنزف، ولا أمن وغزة تقتل. اختارت البحر طريقا، واختارت أن يكون التضامن فعلا ومخاطرة ومسؤولية، لا مجرد موقف يُعلن من مسافة آمنة.

في العام الجاري، كانت ضمن الأسطول المتجه إلى غزة في محاولة لكسر الحصار، وحين حال الاحتلال الإسرائيلي دون وصولها إلى وجهتها، لم تتوقف الرحلة؛ انتقلت من البحر إلى الاعتقال، ومن السفينة إلى الزنزانة الإسرائيلية، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

 في قلب تجربة الاعتقال، بدأت طبقات جديدة من الحكاية تتشكل، لم تعد الطبال تروي ما سمعته من الآخرين، بل ما رأته وعاشته، لتتحول تجربتها الشخصية إلى شهادة تحفظ التفاصيل وتضعها أمام القارئ والذاكرة.

الكتاب يضم أكثر من 130 لوحة بالألوان المائية رسمتها الطبال بنفسها، توثق تفاصيل الاعتقال الاسرائيلي من الداخل: التفتيش والاستجوابات، الأسلحة والأقفاص، الكلاب البوليسية، الزنازين، الطعام ووسائل النظافة، والسجانين وجنود الاحتلال.

وهنا لا تعود الريشة مجرد أداة فنية؛ تصبح أداة توثيق. فالألوان المائية، بشفافيتها ورقتها، تستعيد قسوة تجربة أراد لها السجان أن تبقى خلف الجدران، وتحول التفاصيل الصغيرة إلى أرشيف بصري عصي على المحو.

في نحو 340 صفحة، تمزج الطبال بين السيرة الشخصية والتوثيق، وبين الأدب والشهادة، لتضع القارئ في رحلة تبدأ من البحر وتنتهي في الزنزانة رقم 7، حيث يصبح المكان شاهدا آخر على التجربة.

تكتسب هذه الشهادة خصوصيتها من صاحبتها نفسها؛ فالطبال أكاديمية وباحثة لبنانية-فرنسية، ومحامية سابقة وناشطة في مجال حقوق الإنسان، راكمت سنوات من العمل الأكاديمي والحقوقي وقضايا الأسرى والعدالة الدولية.

لذلك لا يبدو الكتاب مجرد استعادة لرحلة شخصية، بل محاولة لتحويل التجربة إلى ذاكرة قابلة للقراءة والفحص والمساءلة. فالاعتقال هنا لا ينتهي بانتهاء الزنزانة، وإنما يستمر في الكتاب بوصفه شهادة وأسئلة مفتوحة.

وحين مُنعت الطبال من الوصول إلى غزة، حملت غزة معها بطريقة أخرى. حملتها في اسم الكتاب، وفي لوحاتها، وفي الرسائل التي خرجت من البحر والزنزانة؛ رسائل حب لا حرب، وتضامن لا استسلام، وذاكرة لا تقبل المحو.

من غزة تحية للمناضلة الدكتورة لينا الطبال، تحية لتجربتها المتصاعدة من الكلمة إلى الفعل، ومن البحث الأكاديمي إلى الميدان، ومن الدفاع عن الحقوق إلى اختبارها في أصعب الظروف.

وتحية أخرى إلى كتابها الذي اختار أن يجعل من السفن رمزا للحب، ومن اللوحات ذاكرة، ومن السيرة شهادة، ومن الشهادة سؤالا مفتوحا أمام العدالة والضمير الإنساني.

من غزة، حيث ما زالت الحكاية مفتوحة، نقول للمناضلة اللبنانية: وصلت رسالتك، ربما لم تصل السفن إلى شواطئ غزة، لكن الحب الذي حملته، والشهادة التي خرجت منها، والكتاب الذي بقي بعدها، استطاعت جميعا أن تصل.

المصدر / فلسطين أون لاين