☰
✕

قائمة الموقع

ما الذي تغير في الأقصى في موسم العدوان الأخير عليه؟ - الجزء الأول

2026-10-04T21:48:00+03:00
فلسطين أون لاين

خلال موسم الأعياد الطويل الذي دام ثلاثة أسابيع إجمالاً، وفي أيام اقتحام العرش الخمسة الأسبوع الماضي، شهد المسجد الأقصى ذروة العدوان عليه هذا العام، وتركز هذا العدوان على فرض الطقوس التوراتية لفرض هوية يهودية موازية في الأقصى.
 
 ومع التركيز الاستثنائي على الأرقام والإحصاءات وكأنها الدلالة الأهم في كل موسم عدوان، بات لزاماً أن نتوقف مع ما يعيشه المسجد الأقصى من فرض هوية يهودية دينية باتت قائمة فيه بالفعل بموازاة هويته الإسلامية، في تحليل يُنشر على جزئين، يبدأ بمناقشة توظيف الطقوس التوراتية في الجزء الأول، ثم ينتقل إلى الجوانب الأخرى في الجزء الثاني بإذن الله.
 
*وفرض المقتحمون الصهاينة، بالشراكة مع شرطة الاحتلال كل الطقوس المرتبطة بالأعياد تقريباً، وذلك بتسعة أشكال هي:*
 
1.    *نفخ البوق:* وجرى 30 مرة في المسجد الأقصى في يوم الأحد 13-9-2026، ثاني أيام "رأس السنة العبرية". ونفخ البوق تنظر له التوراة باعتباره إعلان انتقال بين زمنين، ولذلك تُفتتح به السنة، لكن الصهيونية إلى جانب ذلك توظفه كشكل من "إعلان السيادة"، بانتقال الأرض التي يُنفخ فوقها من الزمن العربي والإسلامي إلى الزمن الصهيوني، ولذلك نفخه جيش الاحتلال حين احتل سيناء لأول مرة عام 1956، ونفخه جنود الاحتلال في الأقصى وساحة البراق عام 1967، وعاودوا نفخه مراراً على مدى سنوات حرب الإبـ.ـادة في غزة، وفي الضفة الغربية، وفي جنوب لبنان، وفي هضبة الجولان في سوريا، للقول بأن هذه الأراضي باتت تحت السيادة الصهيونية ولن تعود إلى ما كانت عليه.
 
2.    *أداء طقوس الاستغفار "السيليحوت":* وهي مزيج من مقاطع التوراة والقصائد التي نظمها حاخامات وعابدون يهود عبر تاريخهم، وموضوعها طلب المغفرة من الرب، ويقرؤها اليهود الشرقيون طوال شهر أيلول العبري، ويقرؤها اليهود الغربيون بدءاً من يوم السبت السابق لرأس السنة العبرية، وتؤدَّى في وقت متأخر من الليل، ويمكن أن تعاد نهاراً، وهو ما حرص المستوطنون على فعله طوال شهر من الاقتحامات تقريباً.
 
3.    *إدخال "القربان النباتي":* وأدخل إلى المسجد الأقصى المبارك في الأيام الخمسة لـ"عيد العُرًش"، وهو يعبّر عن كون "عيد العرش" عيداً للحصاد بحسب التوراة التي تنص على تقديم أربعة من أصناف النبات كقرابين فيه، وهذه "الأصناف الأربعة" هي الأُترُج (نوع من الحمضيات يشبه الليمون)، وسعف النخيل وأغصان خضراء من الآس والصفصاف تجدل معاً، وتُعرف اختصاراً بـ "السعفة".
 
4.    *أداء طقوس الـ "هاليل":* أي التمجيد للرب في حلقات غنائية داخل الأقصى، بقراءة المزمور 118 المعنوَن بـ "شكر الرب في الهيكل"، والذي تتكرر فيه مرتان جملة "باسم الرب أبيـ.ـدهم".
 
5.    *الانبطاح الجماعي:* على الوجه المعروف بـ "السجود الملحمي"، رغم أنه محدد بـ"يوم الغفران" حصراً وبلحظة محددة "داخل الهيكل" وفق التعاليم التوراتية، إلا أن منظمات الهيكل تحرص على التوسع فيه.
 
6.    *أداء طقوس "بركات الكهنة":* وهي طقوس وساطة روحية ينقل فيها الكاهن بركة الرب إلى اليهود، لكن طبقة الكهنة –التي تتولى خدمة الهيكل وفق الأسطورة التوراتية- مندثرة حالياً، فتؤدَّى هذه الطقوس بشكلٍ رمزي في عدة أعياد توراتية.
 
7.    *استمرار أداء الطقوس اليومية:* وهي صلاة الصباح وصلاة ما بعد الظهر، وتؤدى في افتتاح فترات الاقتحام، وكل صلاة منها تبدأ بما يُعرف بـ "الشماع"، ثم تُردد فيها مجموعة من القراءات التوراتية.
 
8.    *إدخال كتب الصلوات:* نظراً لتعدد الطقوس التوراتية، وتعدد مقاطع القراءة فيها من التوراة والقصائد بحسب كل مناسبة، فإن ما يقال فيها ليس محفوظاً لمعظم اليهود، بل ليس محفوظاً حتى لمعظم حاخامتهم، وهم بالضرورة يحتاجون إلى قراءة تلك الصلوات من الورق، ولذلك فقد جُمع كتاب للصلوات المتكررة يسمى بـ "كتاب السيدور"، وكان إدخاله مطلباً دائماً لمنظمات الهيكل.
 
وقد بدأت شرطة الاحتلال في 6-8-2026 بتوزيعه على 15 من الحاخامات وقادة الصلوات "بشكل تجريبي"، استمر خلال موسم الأعياد الفائت كله، والواضح أنها تميل لزيادة توزيعه الآن.
 
وحاءت مبادرة شرطة الاحتلال هذه مع بداية شهر أيلول العبري بالضبط، لتمكين المقتحمين من أداء طقوس "السيليحوت" المذكورة أعلاه، لكونها كثيرة وغير محفوظة، ويتعذر أداؤها من دون كتاب، ما يجدد تأكيد التناغم الكامل بين شرطة الاحتلال والمقتحمين في أجندة تهويد الأقصى.

وإدخال 15 كتاباً يعني من الناحية العملية تمكين كل المستوطنين المقتحمين من ترديد الصلوات التوراتية، لأن صلاة اليهود تعتمد على الترديد خلف قارئ أو منشد "حزان بالعبرية"، ما يعني أن الكتب الخمسة عشر تكفي لتمكين الآلاف من أداء الصلوات التوراتية داخل المسجد الأقصى، بينما تروّج شرطة الاحتلال أنه رقم ضئيل و"تجريبي"، خصوصاً وأن الشرطة ذاتها ترعى منذ شهر 1-2026 توزيع أوراق مصورة تحمل أبرز الصلوات لكل عيد، بما يسمح للمقتحمين بقراءة المقاطع الأساسية منها.  
 
9.    *إدخال ملابس الصلاة التوراتية:* كانت شرطة الاحتلال قد بدأت كذلك ومنذ أسابيع سياسة جديدة بالتغاضي عن إدخال شال الصلاة "الطاليت بالعبرية أو الطيلسان بالعربية"، ما دام ليس باللون الأبيض المحدد للصلاة وفق الرأي الحاخامي، وهو ما شجع المستوطنين على إدخاله بألوان متعددة، وبذلك تكون شرطة الاحتلال قد أكملت مسيرتها التدريجية لتمكين لباس الصلاة الكامل المطلوب توراتياً، ويشمل أيضاً: زوائد الخيوط المتدلية من الملابس "تسيت تسيت بالعبرية"، والقبعة "كيباه بالعبرية" وتسمى أحياناً "اليَرمُلكة"، ولفائف الصلاة السوداء "التيفيلين بالعبرية"؛ وبذلك بات الحاخامات والمستوطنون المقتحمون يتمكنون من ارتداء اللباس التوراتي الكامل المطلوب للصلاة.
 
باختصار، لقد طبّق الاحتلال بالفعل سياسته في تحويل المسجد الأقصى المبارك إلى مقدسٍ مشترك بالقوة، وبفرض الطقوس اليهودية إلى جانب الصلوات الإسلامية، والواضح أن هاجس شرطة الاحتلال اليوم هو كيفية تعميق هذه الهوية اليهودية للمسجد بشكلٍ تدريجي يتجنب ردود الفعل ما أمكن، وتسريع وتيرة ذلك أمام ما تراه "نافذة مفتوحة" للتهويد أتاحتها حرب الإ.بادة على غزة.
 
ولا بد من التنبه إلى تركيز منظمات الهيكل على الطقوس التي تكرس التعامل مع المسجد الأقصى وكأنه الهيكل المزعوم، فهي تنتقي الطقوس التي تقول الأسطورة التوراتية إنها مختصة بالهيكل، باعتباره "مكان سكن روح الرب"، لذلك تحرص على جلب القرابين النباتية إليه، وعلى التوسع في طقس الانبطاح خارج وقته، لكونه طقس مختص بالهيكل المزعوم وفق الأسطورة التوراتية، وكذلك تنتقي من طقوس التمجيد "الهاليل" مقاطع "تمجيد الرب في الهيكل"، لتؤكد أنها تُحيي هذه الأسطورة.
 
أخيراً، من شأن المضي في مسار فرض هذه الطقوس أن يعيد تجديد السعي نحو التقسيم المكاني للأقصى، لأن ما تبقى منها الآن هو إدخال لفائف التوراة الخشبية، وهي تتطلب طاولات توضع عليها وخزن توضع فيها، وأدوات للتتبع مع سطورها عند القراءة، وكذلك الأمر بالنسبة للقربان الحيواني الذي يتطلب مذبحاً وآنية وأبواقاً خاصة به. لقد وصل مسار الأدوات التوراتية نقطة استكمال إدخال كل الأدوات التي لا تتطلب حيزاً، ما يعني أنه وصل لحظة الاتصال مع مسار التقسيم المكاني، وبالذات في الساحة الشرقية من الأقصى، المستهدفة بتفريغ حقيقي دائم تفرضه شرطة الاحتلال.

اخبار ذات صلة