مع ساعات الفجر الأولى دوى صوت انفجار عنيف غربي مدينة غزة، بعدما استهدفت طائرات الاحتلال الإسرائيلي الحربية عمارة "الأصالة" السكنية بعدد من الصواريخ ليتحول المبنى خلال لحظات إلى مشهد من الركام والدماء، ويُعلن عن استشهاد خمسة فلسطينيين وإصابة آخرين، بينهم سيدة وابنتها من العائلات المسيحية.
في المكان، بدت آثار القصف واضحة على المبنى والمنازل المحيطة به إذ دُمّر الطابقان الأرضي والأول بصورة كبيرة، فيما خلفت الصواريخ حفرة عميقة أسفل الجزء المستهدف، وتناثرت الحجارة والركام في أرجاء المكان بينما انهمك عدد من السكان في محاولة إزالة ما يمكن من الأنقاض بحثًا عن مقتنياتهم أو آثار لأشخاص قد يكونون عالقين تحت الركام.
داخل العمارة، كانت أكوام الركام وآثار الغبار والدمار لا تزال حاضرة فقد استفاق السكان في ساعات الفجر الأولي، على صوت الانفجار وانهيار أجزاء من المبنى فيما تسللت الأتربة إلى الشقق عبر النوافذ واضطر عدد من العائلات إلى مغادرة المكان خشية انهيارات جديدة.
وتضم العمارة عشرات العائلات من سكانها الأصليين وأخرى نازحة لجأت إلى أقاربها بعد تدمير منازلها خلال حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، لتجد نفسها أمام مشهد جديد من فقدان الأمان والمأوى.
وقال إلياس أبو داوود، أحد أقارب الضحيتين ماريا وابنتها ميسا: إن العائلة لم تتلق أي تحذير قبل استهداف العمارة، مضيفًا: أن السكان الموجودين فيها مدنيون ولا ينتمون لأي تنظيم.
وأضاف أبو داوود، لمراسلنا: أن الحديث عن وجود مطلوبين داخل المبنى محاولة إسرائيلية لتبرير الاستهداف، داعيًا المجتمع الدولي ولا سيما المسيحيين في مختلف أنحاء العالم إلى الاهتمام بما يجري في قطاع غزة، والعمل على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات بحق المدنيين.
وأشار أبو داوود، وهو يقف أمام العمارة المستهدفة، إلى الحفرة الكبيرة التي خلفتها صواريخ الاحتلال أسفل الشقة المستهدفة، قائلًا: إن حجم الدمار يعكس قسوة القصف الذي تعرض له المكان.

اللحظات الأولى
وعلى مقربة من المكان، وقف محمود بكر، يتابع عمليات إزالة الركام، مستذكرًا اللحظات الأولى التي أعقبت الاستهداف حين سارع مع آخرين لمساعدة السكان.
وقال بكر لمراسلنا: إن المكان كان ممتلئًا بالغبار والحجارة والدماء فيما اندلعت النيران في أجزاء منه قبل أن يكتشف وجود حفرة كبيرة أحدثها أحد الصواريخ.
وأضاف: أن استمرار القصف رغم إعلان وقف إطلاق النار يؤكد على مواصلة الاحتلال في ارتكاب مجازره بحق الغزيين دون الالتفات إلى اتفاق وقف اطلاق النار الموقع بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي بوساطة دولية في أكتوبر 2025، مطالبًا الجهات الدولية الراعية للاتفاق بالضغط من أجل وقف المجازر وحماية المدنيين.
وفي مشهد آخر وثقته كاميرات الصحفيين والهواة، ظهر طفل من ذوي متلازمة "داون" في حالة صدمة عقب القصف عاجزًا عن استيعاب ما حدث من حوله.
كما ظهر طفل آخر لم يتجاوز العاشرة من عمره، والدماء تسيل من رأسه وهو يتمسك بكرته وحذائه الرياضي، في صورة تختصر حجم الخوف الذي يعيشه أطفال غزة حتى باتت أبسط تفاصيل طفولتهم مرتبطة بذكريات القصف والدمار.
ويأتي استهداف عمارة "الأصالة" بالتزامن مع تكثيف تحليق الطائرات المسيّرة في أجواء القطاع، واستمرار سقوط ضحايا جراء الهجمات الإسرائيلية رغم سريان وقف إطلاق النار.
وبحسب وزارة الصحة في غزة، ارتفع عدد الشهداء منذ بدء وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025 إلى 1,439 شهيدًا، إضافة إلى 5,052 إصابة، فيما تجاوز إجمالي عدد الشهداء منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023 حاجز 74 ألفًا، وبلغ عدد المصابين أكثر من 175 ألفًا، حتى الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 2026.

