فلسطين أون لاين

من مشكلات الحرب إلى أفكار تقنية.. أطفال غزة يبتكرون لمواجهة واقعهم

...
أطفال غزة يحولون آثار الحرب إلى ابتكارات تكنولوجية
غزة/ صفاء عاشور:

في وقت فرضت الحرب على أطفال غزة أن يتعلموا تفاصيل الخوف والنزوح وفقدان الأمان، اختار أكثر من 100 طفل ويافع أن يتعاملوا مع واقعهم بطريقة مختلفة.

فبدل أن يكتفوا برصد المشكلات من حولهم، جلسوا أمام الحساسات والدوائر الإلكترونية والحواسيب، محاولين ابتكار حلول لمخاطر باتت جزءًا من حياتهم اليومية.

وفي 20 سبتمبر/أيلول الماضي، حمل "هاكاثون غزة للتكنولوجيا" أفكار هؤلاء المشاركين إلى مساحة واحدة، حيث لم تكن المشاريع المعروضة مجرد تطبيقات أو نماذج تقنية، بل انعكاسًا مباشرًا لواقع غزة بعد الحرب.

من جهاز يحذر من مخاطر انهيار المباني، إلى خيمة ذكية تخفف وطأة الحر، ونظارة تساعد المكفوفين، ومزرعة تعمل بالروبوتات بحثًا عن طرق جديدة لمواجهة أزمة الغذاء. بهذه الأفكار، حاول الأطفال أن يجيبوا عن سؤال أكبر من حدود المنافسة: كيف يمكن للتكنولوجيا أن تكون جزءًا من إعادة بناء الحياة في غزة؟

الهاكاثون، الذي نظمته جمعية Tech From Palestine بالتعاون مع Code Sprouts، جمع أكثر من 100 طفل ويافع دون سن الثامنة عشرة، قدموا خلاله مشاريع برمجية وإلكترونية وروبوتية صمموها انطلاقًا من مشكلات يعيشها مجتمعهم، في فعالية حملت شعار: "ابنِ ما تحتاجه غزة في المرحلة القادمة".

WhatsApp Image 2026-10-02 at 4.57.04 PM.jpeg
 

وقال رئيس مجلس إدارة جمعية Tech From Palestine الخيرية محمد صلاح: "إن فكرة الهاكاثون جاءت بعد أكثر من ثلاثة أعوام من العمل في مجال تدريب الأطفال واليافعين على البرمجة والإلكترونيات والروبوتات، مشيرًا إلى أن الجمعية درّبت خلال هذه الفترة أكثر من ألف طفل ويافع.

وأوضح في حديث لصحيفة "فلسطين" أن الفريق لاحظ وجود أطفال أنجزوا مشاريع حقيقية، لكن لم تكن هناك منصة تجمعهم وتتيح لهم عرض أفكارهم، في ظل وجود ستة نوادٍ مستقلة لتعليم البرمجة للأطفال في قطاع غزة، تعمل كل منها بصورة منفصلة.

ومن هنا جاءت فكرة جمع هؤلاء في مساحة واحدة للمنافسة وعرض ابتكاراتهم، في توقيت اعتبره منظمو الفعالية مرتبطًا بما ينتظر غزة من مرحلة إعادة إعمار، إذ يرى صلاح أن الجيل الذي يتعلم التكنولوجيا اليوم سيكون جزءًا من بناء المرحلة المقبلة.

ن احتياجات الخيام إلى حماية الأرواح، لم تكن أفكار المشاركين منفصلة عن واقعهم، فقد اتجهت مشاريعهم بصورة واضحة نحو المشكلات التي فرضتها الحرب، بدءًا من السلامة ووصولًا إلى الصحة والغذاء والطاقة والإعاقة والتعليم.

ومن بين المشاريع المطروحة تطبيق لتحديد مواقع الأجسام المشبوهة ومخلفات الحرب والإبلاغ عنها، إلى جانب جهاز للإنذار المبكر من مخاطر انهيار المباني المتضررة، ونظام للحماية من الغاز والحرائق، ومشروع يهدف إلى حماية الأطفال من السقوط من النوافذ.

وفي حياة النزوح، ظهرت فكرة "الخيمة الذكية" التي تستهدف خفض الحرارة داخل الخيام، إلى جانب نظام للتهوية الذكية، أما في الطاقة والمياه والغذاء، فقدم المشاركون أفكارًا شملت توربينات لتوليد الكهرباء، وصنبورًا ذكيًا، ومزرعة عمودية ذكية.

وفي المجال الصحي، برزت منصة "وتين" لتوحيد السجلات الطبية وربط أقسام المستشفى في نظام واحد، بينما حملت مشاريع أخرى التكنولوجيا إلى مجال الإعاقة، من خلال قفاز ذكي يترجم لغة الإشارة، ونظارة ذكية تساعد المكفوفين على استشعار العوائق، وطاولة ذكية متحركة تخدم الأشخاص ذوي الإعاقة الحركية والبصرية.

WhatsApp Image 2026-10-02 at 4.56.18 PM.jpeg
 

ولم تغب مساحة الإبداع رغم ثقل الواقع، إذ قدم المشاركون "استوديو الأنيميشن الصغير"، الذي يحول رسومات الأطفال إلى أفلام متحركة.

ويرى صلاح أن هذا التوجه يعكس تغيرًا في طريقة تفكير الأطفال، موضحًا أن التكنولوجيا لم تعد بالنسبة إليهم مجرد وسيلة للترفيه أو تصميم الألعاب، وإنما أداة لحماية الإنسان ومواجهة المشكلات اليومية.

وأكد أن الطفل الذي صمم جهازًا للإنذار المبكر من انهيار المباني شاهد مباني تنهار من حوله، فحاول تحويل الخوف الذي عاشه إلى حل تقني يمكن أن يرصد مؤشرات الخطر وينبه السكان.

الحرب غيّرت الابتكار

لم تقتصر آثار الحرب على طبيعة المشاريع، بل طالت البيئة التي عمل فيها الأطفال أنفسهم.

فبحسب صلاح، فقدت الجمعية مقر فرعها في الرمال شمال قطاع غزة، وما كان يحتويه من معدات ومواد تعليمية بعد قصف المبنى، ما اضطر الفريق إلى إعادة بناء موارده تقريبًا من البداية.

كما واجه تنظيم الهاكاثون صعوبة في توفير المكونات الإلكترونية، من حساسات ومتحكمات ومحركات وبطاريات ودوائر، في ظل ندرتها وارتفاع أسعارها، الأمر الذي جعل توفير احتياجات المشاريع يتم قطعةً قطعة.

ولم يكن المشاركون بمنأى عن الظروف ذاتها؛ إذ مر كثير منهم بتجارب النزوح وفقدان المنازل والأدوات، فيما أنجز بعضهم مشاريعه من الخيام وبموارد محدودة.

أما التمويل، فكان تحديًا آخر، خصوصًا مع تمسك الجهة المنظمة بتقديم التدريب مجانًا للأطفال، في ظل صعوبة تحمّل الأسر تكاليف النوادي التعليمية المدفوعة.

وبحسب صلاح، غطت Tech From Palestine وCode Sprouts تكاليف الهاكاثون، فيما ساهم شريكا The Sameer Project وTranslating Falasteen في توفير النقل.

مشاريع تبحث عن الواقع

ورغم أن المشاريع التي عرضت في الهاكاثون ما تزال في إطار النماذج والأفكار القابلة للتطوير، فإن بعضَها يرى منظمو الفعالية أنه يمتلك مقومات الانتقال لاحقًا إلى تطبيقات عملية، إذا توفرت له الموارد والمتابعة التقنية.

ومن بين هذه المشاريع المزرعة الذكية المدعومة بالروبوتات، التي يمكن تطويرها، بحسب صلاح، للعمل في المساحات الصغيرة أو فوق الأسطح ومراكز الإيواء، إلى جانب مشروع توربينات توليد الكهرباء، وتطبيق كشف الأجسام المشبوهة، وسيارة الإطفاء الذكية، والطباعة ثلاثية الأبعاد التي يمكن أن تساهم مستقبلًا في تصنيع قطع وأدوات محليًا.

WhatsApp Image 2026-10-02 at 4.55.37 PM.jpeg
 

لكن الانتقال من النموذج الأولي إلى الحل القابل للاستخدام يحتاج، وفق الجهة المنظمة، إلى التمويل والمعدات والقطع الإلكترونية، فضلًا عن متابعة مهندسين وموجهين متخصصين.

ولهذا لم تتوقف الخطة عند انتهاء الهاكاثون، إذ أعلنت Tech From Palestine بالتعاون مع Code Sprouts إطلاق حاضنة للنوادي الشبابية المتخصصة في البرمجة والروبوتات والابتكار في غزة، تقوم على الابتكار والاستقلالية والاستثمار، مع العمل على اكتشاف الطلاب الموهوبين بالتعاون مع المدارس وإلحاقهم بالنوادي مجانًا وتوفير الموارد المشتركة وخطط الاستدامة.

استثمار في جيل إعادة الإعمار

في يوم المنافسة، لم تكن لجنة التحكيم تبحث عن التعقيد التقني وحده، وإنما قيّمت المشاريع وفق خمسة معايير: الأثر المجتمعي، والجانب التقني، والابتكار، وقابلية التطبيق والتوسع، وجودة العرض.

ويشير صلاح إلى أن الفكرة الأساسية هي تحقيق توازن بين التكنولوجيا واحتياجات الإنسان، بحيث لا يكون المشروع الأكثر تعقيدًا تقنيًا هو بالضرورة الأكثر قيمة، وإنما المشروع الذي يجمع بين فكرة مبتكرة وتنفيذ متقن وأثر ملموس محتمل في حياة الناس.

وبعد أكثر من أسبوع على انتهاء الهاكاثون، تبدو الرسالة التي حملتها المشاريع أبعد من حدود مسابقة تقنية عابرة؛ فهي تكشف، بحسب منظميها، عن جيل يحاول أن يتعامل مع واقعه بأدوات مختلفة، وأن يرى في التكنولوجيا وسيلة للمشاركة في معالجة مشكلات مجتمعه.

ويختصر صلاح هذه الرؤية بالقول إن إعادة الإعمار لا تعني إعادة بناء الحجر وحده، وإنما تحتاج أيضًا إلى عقول تصمم وتبرمج وتدير، معتبرًا أن الطفل ينبغي أن يكون شريكًا في إعادة البناء، لا مجرد متلقٍ للمساعدة.

وفي الوقت الذي تحتاج فيه هذه الأفكار إلى موارد كي تتحول من نماذج أولية إلى حلول قابلة للاستخدام، تبدو الرسالة التي أراد الهاكاثون إيصالها واضحة: أطفال غزة لا يريدون أن تُختزل صورتهم في الحرب والنزوح، بل يريدون فرصة ليثبتوا قدرتهم على صناعة التكنولوجيا التي يحتاجها مجتمعهم.

المصدر / فلسطين أون لاين