ما إن حاولت سعدية جندية (65 عامًا) الوقوف من جلستها على كرسي متهالك، سعلت بشدة قبل أن تضع يدها على صدرها وتستعيد أنفاسها وهي تلتفت إلى حفيديها اليتيمين.
تعيش جندية في مخيم إيواء مؤقت تتراص فيه الخيام البالية جنبًا إلى جنب، وسط مدينة غزة، وفي واحدة منها تُحاول المسنة المصابة بالسرطان وأمراض مزمنة أن تصنع لنفسها سقفًا هشًّا لا يُشبه البيوت؛ فكل ما لديها فقط خيمة وشوادر مصنوعة من النايلون تتطاير مع كل هبّة رياح.
في الخيمة ذاتها، يجلس بجوارها اثنين من أحفادها كانا قد فقدا والدهما شهيدًا خلال حرب الإبادة، وأصبحت الجدة بالنسبة لهما البيت والعائلة وما تبقى من الأمان.
"معانتي لا تقتصر على الأمراض التي تنهش جسدي، كلما أنظر إلى أحفادي أشعر بألم آخر لا حدود له"، قالت الجدة لصحيفة "فلسطين" وهي تحاول أن تلتقط أنفاسها.

تعاني جندية من إصابتها بسرطان الثدي إضافة إلى أمراض ضغط الدم والقدم السكرية والغدة، وقد تفاقمت وطأة هذه الأمراض مع تراجع عمل المنظومة الصحية في قطاع غزة، والعجز المتزايد في الأدوية والعلاجات الطبية.
وقبل اندلاع الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، كانت جندية تعيش وأبناؤها في منزل بحي الشجاعية، شرقي مدينة غزة، لكن بعد أن دمره جيش الاحتلال الإسرائيلي في خضمّ حربه المروعة، لم تجد مأوى آخر سوى مساحة صغيرة تحولت إلى مخيم إيواء متهالك تفصل خيامه ممرات ضيقة وتعبرها أقدام النازحين بحثًا عن الماء والطعام أو لحظة هدوء نادرة.
تضيف بصوت متقطع: "حياة النزوح أتعبتني كثيرًا، المكان الذي أعيش فيه لا يصلح لحياة الإنسان الطبيعي، فما بالك بمسنة تُعاني من السرطان". هنا، تعترف جندية أن بيئة معيشتها لا تُناسب إنسانة مصابة بمرض مميت، لكنها تقول: "لا خيار آخر أمامي، منزلي مدمر بالكامل ولا أستطيع الوصول إلى منطقة سكننا بسبب تواجد جيش الاحتلال".
وكانت جندية خضعت في السنوات الماضية لعلاج مُكثف للحد من انتشار السرطان في جسدها، ورغم اضطرار الأطباء لاستئصال أحد ثدييها إلا أن زحفه لم يتوقف، بفعل عدم توفر الأجهزة الطبية المناسبة، لاسيما المتخصصة بالمسح الذري.

المعاناة التي واجهتها جندية وغيرها من مرضى السرطان لم تكن لولا الحرب المدمرة التي طاولت المنظومة الصحية، وتسببت بإخراج غالبية مستشفياتها عن الخدمة إثر عمليات القصف والاجتياح التي نفذها جيش الاحتلال واستهدفت المستشفيات مباشرة ودمرت عددًا كبيرًا منها بشكل شبه كامل.
ولم تتوقف المأساة عند إصابتها بالسرطان، بل امتدت إلى عدم توفر العلاج اللازم لمنع انتشاره والحفاظ على حياتها.
"المستشفيات لا يوجد فيها علاجات وأدوية، وعندما تتوفر في الصيدليات يفوق سعرها قدرتنا على شراءها. كل ما لدي بعض الهرمونات فقط"، تكلمت جندية بحزن شديد.
وبينما أصبحت هذه المسنة بحاجة ماسة إلى علاج يُنقذ حياتها، تعيش على أمل الحصول على تحويلة علاجية للسفر إلى خارج قطاع غزة.
وتضيف أن "مرور الأيام دون علاج وسفر يهدد حياتي.. كل ما أريده العلاج فقط، وأنتظر السفر على أحر من الجمر".
وعلاوة على الأمراض التي تُعاني منها، تفتقد المسنة جندية اثنين من أبنائها، مصطفى (32 عامًا)، استشهد يوم 4 يناير/ كانون الثاني 2025، وأحمد (35 عامًا)، الذي استشهد يوم 29 يونيو/ حزيران لنفس العام، وقد رحل تاركًا خلفه طفليْن حمزة (4 أعوام) وليان (5 أعوام) ترعاهما جدتهما في خيمتها البالية في سنٍ كانت تحتاج فيه إلى من يرعاها.
في خيمتها الصغيرة، تبدأ الجدة يومها بتفقد حفيديها والاطمئنان عليهما، وعندما يهبط الظلام تخفت الحركة تدريجيًا فتهدأ الأصوات ويحل السكون، وتتحول الخيام إلى نقاط مُضيئة بمصابيح خافتة، وقبل أن تخلد إلى النوم لا تسأل عن حبة دواء لم تتناولها، بل تسأل نفسها ماذا سأطعم حمزة وليان في الصباح التالي.

