فلسطين أون لاين

ذنب النجاة: لماذا يشعر الناجي أحيانًا بأنه مذنب؟

 "لماذا أنا؟" قد لا يكون هذا السؤال بحثًا عن إجابة.
قد يكون صرخة تختبئ خلفها أسئلة أخرى: لماذا نجوت أنا ومات هو؟ لماذا خرجت أنا من المكان وبقي غيري؟ لماذا أستطيع أن آكل وأنام وأضحك، بينما هناك من فقد كل شيء؟ ولماذا أشعر أحيانًا أنني لا أستحق أن أكون بخير؟

هذه المشاعر قد تظهر لدى بعض الناجين من الكوارث والحروب، ويُشار إليها أحيانًا بمفهوم ذنب الناجي.

وهو لا يعني بالضرورة أن الإنسان ارتكب خطأ. بل يعني أن النجاة نفسها قد تصبح مصدرًا للألم.

 "كان يجب أن أموت مكانه"

بعد الأحداث الصادمة، قد يبدأ الإنسان في إعادة تركيب ما حدث بطريقة مختلفة.

 "لو أنني بقيت معه.."، "لو أنني طلبت منه أن يأتي معي.."، "لو أنني تأخرت خمس دقائق..."

العقل يبحث عن تفسير، وأحيانًا يبحث عن مسؤولية. وقد يضع الإنسان المسؤولية على نفسه حتى عندما لا يكون منطقيًا أن يفعل ذلك.

فوجود سؤال "ماذا لو؟" لا يعني بالضرورة وجود قدرة حقيقية على تغيير ما حدث. لكن النفس، بعد الصدمة، قد تتعامل مع الماضي وكأنه ما زال قابلًا لإعادة الكتابة.

 لماذا أشعر بالذنب لأنني أضحك؟

هذا واحد من أصعب المشاعر. قد يضحك الإنسان بعد فترة من الفقد، ثم يتوقف فجأة ويشعر:

"كيف أضحك وأنا فقدت فلانًا؟"

وقد يشعر بالذنب إذا اشترى شيئًا جديدًا. أو إذا بدأ مشروعًا. أو إذا خرج مع أصدقائه. أو إذا شعر بالسعادة.

وكأن الحزن أصبح واجبًا دائمًا، وكأن الفرح خيانة للذين رحلوا.

لكن هذه الفكرة تحتاج إلى تصحيح.

استمرار الحياة لا يعني انتهاء الحب. والابتسامة لا تعني نسيان من فقدنا. والفرح لا يمحو الحزن. يمكن للإنسان أن يحمل الاثنين معًا.

الناجي ليس مسؤولًا عن موته

من المهم أن نفرق بين المسؤولية الحقيقية وبين الشعور بالمسؤولية. قد يقول شخص: "لو كنت فعلت شيئًا مختلفًا لربما عاش."

لكن هذا يحتاج إلى سؤال واقعي: هل كانت لديه بالفعل القدرة على تغيير النتيجة؟ هل كانت المعلومات متاحة له في ذلك الوقت؟ هل كان يملك الوقت؟ هل كان يملك السيطرة على الحدث؟

في كثير من الحالات، يكون الإنسان الذي عاش تحت الخطر محاصرًا بظروف لا يملك التحكم فيها.

ومع ذلك، تعود إليه النفس بعد انتهاء الخطر لتقول: "كان بإمكانك أن تفعل أكثر."

 لماذا يظهر هذا الشعور أحيانًا بعد الهدوء؟

لأن الإنسان أثناء الخطر يكون مشغولًا بالبقاء.لكن عندما يهدأ الخطر نسبيًا، يبدأ العقل في معالجة ما حدث. تظهر الصور. تعود التفاصيل. تأتي الأسئلة. وتبدأ المقارنات: "أنا هنا.. وهو ليس هنا"، وهنا قد يبدأ الشعور بالذنب.

لذلك فإن ظهور هذه المشاعر بعد انتهاء الخطر لا يعني بالضرورة أن الإنسان أصبح أكثر سوءًا. قد يعني أن لديه الآن مساحة نفسية لمعالجة ما حدث.

 ماذا نقول لمن يشعر بذنب النجاة؟

لا نقول له:"لا تشعر بالذنب"، فالمشاعر لا تختفي بمجرد أن نأمرها بالاختفاء.

ولا نقول: "احمد الله أنك نجوت وانتهى الأمر"، فقد يكون ممتنًا لنجاته، وفي الوقت نفسه حزينًا على من فقد. الأفضل أن نمنحه مساحة للكلام.

أن نسأله: "ماذا يجعلك تشعر أنك مسؤول؟" ثم نساعده على التمييز بين ما كان يستطيع فعله فعلًا، وما يتمنى الآن لو كان يستطيع فعله. وهذا الفرق مهم جدًا.

ماذا لو كان الشعور بالذنب مرتبطًا بفعل حقيقي؟

هنا ينبغي ألا نحاول إزالة الشعور بطريقة سطحية. إذا كان الإنسان يرى أنه ارتكب خطأ حقيقيًا، فقد يحتاج إلى مواجهة مسؤوليته، والاعتذار إن كان ذلك ممكنًا، وإصلاح ما يمكن إصلاحه.

لكن حتى هنا، هناك فرق بين تحمل المسؤولية وبين معاقبة النفس إلى الأبد، الأول قد يقود إلى الإصلاح، أما الثاني فقد يتحول إلى سجن نفسي.

ربما تكون أفضل طريقة لتكريم من رحلوا هي أن نعيش

هناك من يشعر أن عليه أن يبقى حزينًا حتى يثبت وفاءه.

لكن ماذا لو كان الوفاء شيئًا آخر؟  أن نكمل التعليم الذي كان يحبه، أن نعتني بأبنائه، أن نحافظ على ذكراه، أن نروي قصته، أن نفعل شيئًا كان يتمنى أن يفعله، أن نحاول أن نصنع من بقائنا معنى.

هنا تتحول النجاة من سؤال: "لماذا نجوت؟" إلى سؤال أكثر قدرة على بناء الحياة: "ماذا سأفعل بهذه الحياة التي بقيت لي؟"

في غزة، قد يكون هذا السؤال أكثر تعقيدًا. فالفقد لم يكن فرديًا في كثير من الحالات. هناك عائلات فقدت أكثر من فرد، وأحياء تغيرت، وبيوت اختفت، وأصدقاء لم يعودوا.

ولهذا قد يحمل الإنسان الناجي شعورًا مركبًا:

هو سعيد لأنه بقي حيًا، وحزين لأنه بقي وحده، وممتن لأنه نجا، وغاضب لأنه نجا في عالم فقد فيه أحبة. لا ينبغي إجباره على اختيار شعور واحد. النفس الإنسانية تستطيع أن تحمل مشاعر متناقضة في الوقت نفسه.

 ومتى نحتاج إلى مساعدة متخصصة؟

إذا تحول الشعور بالذنب إلى معاناة مستمرة تعطل النوم أو العمل أو العلاقات، أو صاحبه اكتئاب شديد، أو عزلة، أو أفكار مؤذية تجاه النفس، فمن المهم طلب مساعدة نفسية متخصصة.

طلب المساعدة هنا ليس ضعفًا. فالإنسان الذي نجا من الخطر الجسدي قد يحتاج إلى مساعدة حتى يتعامل مع آثاره النفسية.

 وفي النهاية، ربما يحتاج بعض الناجين إلى أن يسمعوا جملة بسيطة: "نجاتك ليست ذنبًا."

أنت لم تختر أن يعيش شخص ويموت آخر، ولست مطالبًا بأن تموت نفسيًا حتى تثبت أنك لم تنسَ من مات. احزن. تذكر. ابكِ إن احتجت. واحتفظ بمن تحب في قلبك. ثم حاول أن تعيش.
ليس لأن الذين رحلوا لا يستحقون الحزن...

بل لأن حياتك التي بقيت قد تكون الطريقة التي يستمر بها شيء من أثرهم في هذا العالم.

المصدر / فلسطين أون لاين