فلسطين أون لاين

غزة تستصرخ الرئيس أردوغان لنصرتها

في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتحدث بصوت يتجاوز حدود القاعة ليصل إلى أنقاض غزة، إذ قال إن غزة صارت معسكرًا للموت، وهي المقبرة الأوسع للأطفال في العالم، وإننا فقدنا خلال ثلاث سنوات أكثر من أربعة وسبعين ألف شخص بسبب إرهاب الدولة الإسرائيلية، وإنه يدعو كل الدول التي لا تعترف بدولة فلسطين إلى إعادة النظر في موقفها، ويعرب عن حزنه لتعذر حضور الرئيس محمود عباس لعامين متتاليين. هذه الكلمات ليست مجرد خطاب سياسي عابر، بل شهادة تاريخية من زعيم يرى في القضية الفلسطينية امتدادًا لضميره القومي والإنساني، في زمن يتهاوى فيه النظام الدولي تحت وطأة الانتقائية والازدواجية.

إن وصف غزة بمعسكر الموت والمقبرة الأوسع للأطفال ليس استعارة أدبية بقدر ما هو تشخيص فلسفي لانهيار منظومة القيم الإنسانية المعاصرة، حيث تحولت الأرض المحاصرة إلى مختبر للموت البطيء الذي يجمع بين التجويع والقصف والحرمان من الدواء، في انتهاك صريح لاتفاقيات جنيف ولقواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر استهداف المدنيين وتفرض حماية الأطفال والنساء. هذا الواقع يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي حاسم؛ فإذا كانت الإنسانية تعني شيئًا في هذا القرن، فإن الصمت أمام أوسع مقبرة للأطفال يصبح مشاركة ضمنية في الجريمة.

الأرقام التي أوردها أردوغان تتجاوز الإحصاء إلى كونها شهادة على جريمة مستمرة، فأكثر من أربعة وسبعين ألف قتيل في ثلاث سنوات، معظمهم من الأطفال والنساء، يمثلون نمطًا ممنهجًا يمكن وصفه قانونيًا بإرهاب الدولة، وهو وصف يحمل تبعات قانونية دولية تتعلق بالمسؤولية الجنائية الفردية والجماعية، وبواجب التدخل الإنساني. فإذا كان القانون الدولي قد صيغ بعد الحرب العالمية الثانية لمنع تكرار المآسي الجماعية، فإن تطبيقه الانتقائي في غزة يفرغ هذا القانون من مضمونه، ويحول الأمم المتحدة إلى شاهد عاجز على ما يجري.

دعوة أردوغان للدول التي لم تعترف بعد بدولة فلسطين إلى إعادة النظر تمثل خطوة دبلوماسية ضرورية في مسار الاعتراف الدولي الذي اتسع في السنوات الأخيرة حتى تجاوز مائة وخمسين دولة، لكن الاعتراف وحده لا يكفي إذا لم يقترن بضغوط سياسية واقتصادية حقيقية تمنع استمرار السياسات الاستيطانية والعدوانية في الضفة الغربية وغزة. الاعتراف هو اعتراف بالحق في الوجود والكرامة، وهو المدخل القانوني لإعادة التوازن في الصراع الذي طال أمده.

وإن تمثيل الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية أصبح عرضة للتضييق والتهميش، مما يضاعف من مسؤولية الدول الصديقة في أن تكون صوتًا بديلًا وصوتًا مكملًا في آن واحد، فتركيا التي اعترفت بفلسطين منذ عقود، وتملك نفوذًا إقليميًا ودوليًا، قادرة على تحويل هذا الغياب إلى فرصة لتعزيز الحضور الفلسطيني، لا إلى ذريعة للانسحاب من الساحة.

إن نصرة غزة لا تقتصر على الكلمات، مهما بلغت قوتها، بل تتطلب ترجمة الخطاب إلى أفعال ملموسة تشمل الضغط من أجل فتح المعابر، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية دون قيود، والمساهمة الفعالة في إعادة الإعمار فور توقف العدوان، والعمل داخل المنظمات الدولية والإقليمية لفرض آليات محاسبة على انتهاكات القانون الدولي. فأردوغان، الذي ساهم في جهود التهدئة السابقة، يمتلك اليوم موقعًا يسمح له بأن يكون جسرًا بين الشرق والغرب، ورافعًا لراية الحق في زمن يسعى فيه البعض إلى طمس الذاكرة الفلسطينية تحت الركام.

في النهاية، فإن نداء غزة إلى أردوغان هو نداء إلى الضمير الإنساني قبل أن يكون نداء إلى السلطة السياسية، فالتاريخ لا يرحم الصامتين، ولا ينسى من وقفوا إلى جانب الضعفاء في لحظات الانهيار. وإذا كان أردوغان قد وصف غزة بمعسكر الموت، فإن المسؤولية التاريخية تفرض عليه، وعلى كل من يشاركه الرؤية، أن يحول هذا الوصف إلى برنامج عمل لإنقاذ من تبقى تحت الأنقاض، وإعادة الأمل إلى شعب يرى في النصر التركي امتدادًا لنصره الخاص، فغزة ليست مجرد قضية سياسية، بل هي مرآة تعكس مستقبل الإنسانية كلها.

المصدر / فلسطين أون لاين