على كرسي متحرك، يدفع والدُ طفلٍ مصاب بالفشل الكلوي ابنه نحو مجمع ناصر الطبي، في حين تحمل والدته شقيقته التي تحتاج هي الأخرى إلى جلسات غسيل الكلى. من منطقة القادسية إلى المستشفى، تقطع الأسرة النازحة مسافة طويلة سيراً على الأقدام، بعدما توقفت وسائل نقل المرضى بفعل نقص الوقود وارتفاع تكاليف المواصلات.
داخل مركز هند الدغمة لغسيل الكلى في مجمع ناصر الطبي، تتكرر هذه الرحلة مع عشرات المرضى، بعضهم يقطع مسافات طويلة للوصول إلى جلسة علاج يفترض أن تتكرر ثلاث مرات أسبوعياً، في وقت تتراجع القدرة على توفير الوقود ووسائل النقل والمستلزمات الطبية والأدوية اللازمة لعلاج مرضى الكلى.

تقول سجود عبد الله، 31 عاماً، إنها تعيش مع معاناة طفليها إبراهيم، 5 أعوام، ونعيمة، 7 أعوام، وكلاهما مصاب بمرض كلوي منذ أشهره الأولى.
اكتشفت الأسرة مرض نعيمة عندما كان عمرها شهرين، في حين شُخّص إبراهيم بالمرض عندما بلغ ستة أشهر. وتوضح والدتهما لصحيفة "فلسطين" أن الأطباء أرجعوا الحالة إلى عامل جيني مرتبط بصلة القرابة بين الوالدين.
لكن حرب الإبادة، وفق روايتها، فاقمت تدهور حالتهما الصحية.

تقول سجود إن سوء التغذية ونقص الأدوية والعلاجات اللازمة أثرا بصورة مباشرة على حالة طفليها، مشيرة إلى أن إبراهيم كان يعاني من الحصوات، وأن العلاج الذي كان يحتاجه، ومنه فيتامين B6، انقطع منذ بداية حرب الإبادة، بينما تعاني شقيقته من ضمور في الكليتين.
وتضيف أن إبراهيم يخضع لغسيل الكلى منذ نحو تسعة أشهر، فيما بدأت شقيقته جلسات الغسيل حديثاً.
ولا تتوقف معاناة الأسرة عند أبواب المستشفى، إذ تقول الأم إنهم يضطرون إلى الوصول مشياً من منطقة القادسية، في حين يحمل الأب أحياناً ابنته على كتفيه، ويدفع ابنه على كرسي متحرك.
وتقول: "إحنا بنيجي مشي لأنا مش قادرين نوفر مواصلات".
جلسات مهددة
داخل مركز هند الدغمة، يقدم الطاقم الطبي خدمات غسيل الكلى لنحو 250 مريضاً، وفق استشاري أمراض الكلى في مجمع ناصر الطبي، الدكتور رائد صالح مصلح.
ويقول مصلح لـ"فلسطين" إن المركز يعاني منذ بداية حرب الإبادة نقصاً في عدد من الأدوية والمستلزمات الأساسية، من بينها هرمون الإريثروبويتين المستخدم لعلاج فقر الدم لدى مرضى الغسيل الدموي، إضافة إلى الحديد الوريدي وبعض أدوية ضغط الدم.
ويشير إلى نقص بيكربونات الصوديوم، وهي مادة أساسية في عملية الغسيل، موضحاً أن العاملين في صيدلية المجمع يضطرون أحياناً إلى إعداد المحلول يدوياً من المواد المتاحة، حتى تتمكن الأجهزة من مواصلة عملية الغسيل.
ويقول الطبيب إن نقص بعض الأدوية يضع الطواقم الطبية أمام خيارات محدودة، إذ يضطر الأطباء أحياناً إلى البحث عن العلاج في الصيدليات أو الاستعانة بقسم الصيدلة داخل المجمع لتوفير البدائل الممكنة.
ويضيف أن المركز يناشد الجهات المختصة منذ بداية الحرب توفير هذه الأدوية، خصوصاً الإريثروبويتين، الذي يساعد في علاج فقر الدم ورفع مستوى الهيموغلوبين لدى مرضى غسيل الكلى.
الوقود يضاعف الأزمة
إلى جانب نقص الأدوية والمستلزمات، يواجه مرضى الكلى مشكلة أخرى لا تقل خطورة، تتمثل في صعوبة الوصول إلى المستشفى.
يقول الدكتور مصلح إن نقص السولار والبنزين أدى إلى توقف نقل المرضى من مناطق النزوح إلى المستشفى، ما دفع بعض المرضى إلى تحمل تكاليف المواصلات بأنفسهم.

وبحسب الطبيب، قد تصل تكلفة استئجار سيارة من الخيمة إلى المستشفى والعودة إلى مكان النزوح إلى أكثر من 30 أو 40 دولاراً، وهو مبلغ يصعب على كثير من الأسر توفيره، خصوصاً أن عدداً كبيراً من مرضى الكلى لا يملكون دخلاً ثابتاً.
وتزداد المشكلة حدة بالنسبة للمرضى الذين يحتاجون إلى الغسيل ثلاث مرات أسبوعياً، إذ إن عدم القدرة على الوصول إلى المستشفى في المواعيد المحددة قد يؤدي إلى عدم انتظام جلسات الغسيل.
ويحذر الطبيب من أن ذلك يشكل خطراً على المرضى، لأن عملية الديلزة تحتاج إلى الانتظام وفق الجدول الطبي المحدد.
طفلان ينتظران السفر
في حالة إبراهيم وشقيقته نعيمة، لا تقتصر المعاناة على جلسات الغسيل، إذ تنتظر الأسرة استكمال إجراءات التنسيق لسفر الطفلين للعلاج خارج قطاع غزة.
تقول والدتهما إن إبراهيم وصل في إحدى المرات إلى حالة صحية حرجة، ووصل مستوى الهيموغلوبين لديه إلى ثلاثة، واضطر إلى تلقي الأكسجين. كما ينخفض مستوى الدم لدى شقيقته إلى أربعة أو خمسة، ما يجعلهما بحاجة إلى نقل الدم بصورة متكررة.
وتوضح أن الأسرة تلقت اتصالاً بشأن تنسيق سفر إبراهيم، بينما لا تزال تحويلة شقيقته قيد الانتظار.
ويقول الدكتور مصلح إن عدداً من مرضى المركز حصلوا على تحويلات لإجراء عمليات زراعة كلى، وإن هناك مرضى آخرين يحتاجون إلى فحوصات وإجراءات طبية متقدمة خارج القطاع، مشدداً على الحاجة إلى فتح المعبر أمام هؤلاء المرضى للعلاج وزراعة الكلى.
طعام لا يكفي للعلاج
ولا تنفصل أزمة مرضى الكلى عن أزمة الغذاء التي يعيشها سكان القطاع، إذ يحتاج هؤلاء المرضى إلى نظام غذائي خاص ومراقبة دقيقة لنوعية الطعام والسوائل.
تقول سجود إن الأسرة لا تستطيع دائماً توفير الطعام الصحي أو المياه المعدنية لطفليها، في ظل ارتفاع الأسعار وصعوبة توفير الاحتياجات الأساسية.
وتضيف أن فترات طويلة تمر أحياناً من دون طعام صحي مناسب، ما يفاقم أوضاع الأطفال المرضية.
أما سرور أبو جامع، 74 عاماً، من بني سهيلا، فيربط هو الآخر بين تدهور حالته الصحية وظروف المعيشة الصعبة.

يقول أبو جامع، الذي يعاني قصوراً في الكلى منذ نحو ستة أشهر، إن نقص المواد في المستشفى وعدم توفر المواصلات جعلاه يضطر في أوقات كثيرة إلى الوصول سيراً على الأقدام.
ويشير إلى أن نقص المواد المستخدمة في جلسات الغسيل يؤدي أحياناً إلى تقليص مدة الجلسة من أربع ساعات إلى ثلاث أو ساعتين، وهو ما يراه عاملاً يزيد من معاناته الصحية.
ويقول الرجل السبعيني لـ"فلسطين" إن ما يمر به اليوم يختلف عما عاصره طوال حياته، مضيفاً أن الظروف الحالية جعلته يشاهد أمراضاً ومشكلات صحية لم تكن مألوفة بالنسبة إليه.
علاج مؤجل ومعاناة مستمرة
بين خيام النزوح ومركز غسيل الكلى، يعيش المرضى رحلة علاج لا تبدأ عند جهاز الغسيل ولا تنتهي بانتهاء الجلسة؛ فالوصول إلى المستشفى أصبح بحد ذاته تحدياً، بينما يواجه المرضى نقصاً في الأدوية والمستلزمات وارتفاعاً في كلفة النقل والغذاء.
وفي مركز هند الدغمة، يستمر الطاقم الطبي في تقديم جلسات الغسيل لنحو 250 مريضاً، وسط محاولات لتدبير المواد الناقصة وتوفير البدائل الممكنة، بينما ينتظر مرضى آخرون استكمال إجراءات السفر للحصول على علاجات وزراعة كلى خارج القطاع.
أما سجود، فتواصل رحلة أطفالها بين الغسيل والانتظار، حاملة أملاً بأن تصل الأدوية، وتتوفر المواصلات، ويتمكن طفلاها من السفر لتلقي العلاج الذي يحتاجان إليه، بعدما أثقلت حرب الإبادة كاهل أسرة تحاول فقط إبقاء طفليها على قيد الحياة.

