فلسطين أون لاين

غزة.. النظام الدولي شريك في هندسة البؤس

يشهد قطاع غزة اليوم وضعًا إنسانيًا يتجاوز حدود الكارثة التقليدية ليصل إلى مستوى الانهيار الشامل للكرامة البشرية. فخلف الأرقام والتقارير الدولية يوجد إنسان فلسطيني فقد بيته وأمانه وخصوصيته وأبسط مقومات الحياة، نحو مليوني إنسان يعيشون في ظروف بالغة القسوة، كثير منهم ينتقلون من مكان إلى آخر بحثًا عن زاوية أكثر أمنًا، فيما تحولت الخيام الممزقة إلى بيوت اضطرارية للعائلات، وتحولت الشوارع والشواطئ ومواقع النزوح العشوائية إلى أماكن إقامة لأطفال ونساء وشيوخ لا يملكون سوى ما حملوه معهم.

ومع اقتراب موسم الأمطار، يصبح السؤال أكثر إيلامًا: أين سيحتمي هؤلاء إذا اجتاحت المياه خيامهم؟ وأين سيذهب طفل يرتجف من البرد، بينما لا يملك والده سوى قطعة قماش يحاول بها حماية أسرته؟

هذه المأساة لا تختصر في نقص الغذاء أو الماء أو الدواء، وإنما تمتد إلى الحق الأساسي في المأوى والعيش بكرامة. الإنسان الذي فقد منزله لا يفقد الجدران فقط، بل يفقد المكان الذي كان يمنحه شعورًا بالأمان والخصوصية والانتماء.

والأم التي تنام وأطفالها تحت سقف من النايلون لا تستطيع أن تحميهم من البرد أو المطر، والأب الذي يرى أبناءه ينامون على الأرض لا يحتاج إلى تقرير دولي ليعرف معنى العجز.

إن الأرقام التي تتحدث عن احتياجات الملايين تخفي وراءها قصصًا إنسانية لا تنتهي: طفل يريد سريرًا آمنًا، أم تبحث عن مكان يحفظ خصوصيتها، مسن يحتاج إلى سقف لا تغرقه مياه الشتاء، وأسرة كاملة تريد فقط أن تعيش ليلة واحدة دون خوف من المطر أو المرض أو التشرد.

وإذا كان القانون الدولي الإنساني قد وضع قواعد لحماية المدنيين في زمن الحرب، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: أين تقف هذه القواعد عندما يتحول النزوح إلى حياة دائمة؟ وأين هي الآليات الدولية القادرة على ضمان وصول المساعدات وتأمين المأوى وحماية المدنيين؟ لقد أكدت مؤسسات الأمم المتحدة والمحاكم الدولية على جملة من الالتزامات المتعلقة بحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات واحترام الكرامة الإنسانية.

لكن الفجوة بين النص القانوني والتطبيق العملي أصبحت مؤلمة إلى حد يجعل الفلسطيني يشعر أن القانون موجود على الورق، بينما يبحث هو عن مأوى في العراء. وحين يصبح عجز المجتمع الدولي عن حماية المدنيين مستمرًا، فإن الأزمة لا تعود أزمة احتلال وحرب فحسب، بل تصبح أيضًا أزمة في فعالية النظام الدولي وآليات إنفاذ القانون.

إن أخطر ما في المشهد أن النزوح لم يعد حالة مؤقتة تنتظر العودة إلى المنزل، بل أصبح بالنسبة إلى آلاف العائلات واقعًا يوميًا مفتوحًا على المجهول.

هناك أطفال ولدوا في الخيام ولم يعرفوا معنى البيت، وهناك عائلات فقدت منازلها ثم فقدت مكان نزوحها أكثر من مرة، وهناك آباء يحملون أطفالهم من مكان إلى آخر، وهم عاجزون عن الإجابة عن سؤال بسيط يطرحه الصغار: متى نعود إلى بيتنا؟ إن تحويل الإنسان إلى نازح دائم لا يعني فقط حرمانه من السكن، بل انتزاع شعوره بالاستقرار والانتماء والمستقبل. ومن هنا، فإن معالجة أزمة النزوح يجب ألا تكون بتوزيع المساعدات وحده، بل بتوفير مساحات آمنة ومنظمة تضمن للعائلات حدًا أدنى من الخصوصية والكرامة والحماية.

ومن هنا تبرز مسؤولية المجتمع الدولي والأمم المتحدة والأونروا والدول العربية والإسلامية والجهات المحلية في الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة جذورها الإنسانية المباشرة. المطلوب بصورة عاجلة توفير قطع أراضٍ مناسبة ومنظمة للنازحين، تسمح بإقامة مراكز إيواء لائقة ومرافق صحية وشبكات مياه وصرف صحي ومساحات آمنة للأطفال والنساء وكبار السن.

كما ينبغي ضمان إدخال مستلزمات الإيواء ومواد البناء الضرورية، وتهيئة الظروف التي تسمح للعائلات بالانتقال من الخيام العشوائية إلى مساكن مؤقتة تحفظ خصوصيتها وكرامتها. إن توفير المأوى ليس مشروعًا ترفيًا ولا مطلبًا ثانويًا يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء الحرب، بل هو جزء أساسي من حماية المدنيين ومن صون الكرامة الإنسانية.

لقد آن الأوان لأن ينظر العالم إلى غزة لا باعتبارها رقمًا جديدًا في نشرات الإغاثة، بل باعتبارها مجتمعًا بشريًا يعيش أفراده مأساة يومية. خلف كل خيمة قصة بيت كان قائمًا.

وخلف كل طفل نازح عائلة كانت تحلم بمستقبل طبيعي. وخلف كل أم تخشى المطر إنسان يريد أبسط حقوقه: سقفًا آمنًا ومكانًا يحمي أبناءه. لذلك، فإن ترك ملايين الفلسطينيين في العراء ليس مجرد عجز إغاثي، بل فشل أخلاقي وقانوني يستحق أن يتوقف أمامه الضمير العالمي. فالمأوى حق، والكرامة حق، والحماية حق. وإذا كان النظام الدولي قد عجز حتى الآن عن إنهاء المأساة، فإن أقل ما يمكنه فعله هو ألا يسمح بأن تتحول حياة الفلسطينيين في غزة إلى هندسة دائمة للبؤس والنزوح والانتظار.

المصدر / فلسطين أون لاين