مع عودة العام الدراسي إلى قطاع غزة، تعود معه أعباء جديدة على أسر أنهكتها حرب الإبادة وفقدت مصادر دخلها ومعيليها.
وتجد معظم العائلات نفسها أمام احتياجات مدرسية تتجاوز قدرتها على الإنفاق، من القرطاسية والملابس والأحذية، في وقت لا تزال الأسواق تعاني ضعف الحركة، ويكتفي الأهالي بشراء ما تسمح به إمكاناتهم، وسط مخاوف اقتصادية لا تزال تثقل تفاصيل الحياة اليومية.
وتأتي هذه المحاولات في واقع اقتصادي يحد من قدرة الأسر على الإنفاق؛ فمعدل البطالة بين الشباب في غزة بلغ نحو 85.5% خلال عام 2025، وفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء. وفي يوليو/تموز 2026، بلغ متوسط التضخم في غزة نحو 187%، في حين أظهر مسح لبرنامج الأغذية العالمي أن 77% من الأسر التي شملها المسح واجهت صعوبة في الوصول إلى الأسواق، بسبب عوامل من بينها نقص السيولة وعدم القدرة على تحمل أسعار السلع الأساسية.
في سوق النصيرات وسط قطاع غزة، تبدو مظاهر الاستعداد للعام الدراسي محدودة مقارنة بما كانت عليه في السابق.
بضائع أقل، وحركة شراء أضعف، وأسر تحاول الموازنة بين احتياجات أبنائها المدرسية ومتطلبات الحياة الأساسية.
ومع هذا الموسم، الذي يعد الأول انتظامًا بعد سنوات من التوقف، يحاول الأهالي تأمين الحد الأدنى من المستلزمات لأبنائهم، فيما يواجه التجار بدورهم تحديات تتعلق بضعف القدرة الشرائية، وارتفاع الأسعار، ونقص بعض البضائع والمواد الخام.
عودة جزئية
تحاول السيدة أم وائل النزلي شراء ما يحتاج إليه أبناؤها الملتحقون بمقاعد الدراسة لبدء العام الدراسي، من قرطاسية وأدوات وبعض الملابس والأحذية، وفق ما تسمح به إمكاناتها المالية.
تقول لصحيفة "فلسطين" إن عودة الطلاب إلى مقاعد الدراسة تحمل فرحة كبيرة، وإن كانت العودة جزئية بسبب هدم المدارس ولجوء النازحين إليها.
وتضيف: "السنوات التي أُرغم فيها أبنائي على المكوث دون دراسة كانت صعبة للغاية، وقد لمسنا ذلك في تراجع التحصيل الدراسي".
وتوضح أن ابنها الأخير يخوض هذا العام أول عام دراسي له في المرحلة الابتدائية، لذلك تسعى جاهدة لتوفير احتياجاته، فيما ستكتفي بشراء بعض المستلزمات لأخويه التوأم الأكبر سنا، بسبب الظروف الاقتصادية التي تواجهها الأسرة.
وتقول إن زوجها يرافق ابن أخيه في مصر، بعد إصابته خلال الحرب، ومنذ ذلك الحين أصبح الوضع المالي للأسرة صعبًا جدًا، مضيفة: «أحاول أن أوزع ما بين متطلبات المأكل والمشرب واحتياجات المدارس».
وتأتي عودة الطلبة إلى التعليم في وقت لا تزال فيه العملية التعليمية في غزة تواجه فجوة كبيرة؛ إذ تشير بيانات اليونيسف إلى أن نحو 700 ألف طفل تتراوح أعمارهم بين 4 و17 عامًا حُرموا من التعليم الحضوري الرسمي لما يقارب ثلاثة أعوام دراسية متتالية. كما تضرر نحو 98% من مباني المدارس، في حين تحتاج أكثر من 93% منها إلى إعادة تأهيل رئيسة أو إعادة بناء كاملة.
وفي محاولة لسد جزء من هذه الفجوة، استفاد نحو 435 ألف طفل خلال النصف الأول من عام 2026 من مساحات التعلم المؤقتة، في حين حصل نحو 344 ألف طفل على مواد تعليمية أساسية، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. ومع ذلك، ظل نحو 420 ألف طفل، أي ثلاثة من كل خمسة أطفال، من دون تعلم حضوري.
أما الأب أبو أحمد العكاوي، فيرى أن العام الدراسي الحالي يخلو من مظاهر الأعوام السابقة، التي كانت تشهد حركة واضحة في الأسواق قبل بدء الدراسة.
ويقول لصحيفة "فلسطين": أتذكر كيف كنت أصطحب الأبناء قبل أسبوعين من العام إلى المدارس، وكانت المحال التجارية تعمل على عرض الحقائب المدرسية وتقديم العروض والخامات المتنوعة، وهذا للأسف غير موجود.
ويشير إلى أن الناس ما تزال تخشى عودة الحرب، وبالتالي فقدان العام الدراسي، إلى جانب التطورات التي يشهدها العالم حاليًا.
كما يوضح أن التجار أنفسهم يخشون عدم تصريف الملابس في حال فشل الموسم الدراسي، مشيرًا إلى أن الحرب غيّرت أساليب البيع لدى التجار، فأصبحوا يبيعون ما يتوفر لديهم، بعدما توقف كثير من الإمكانات أو تعذر إدخال بعض البضائع بسبب منع الاحتلال توريدها.
ويؤكد أصحاب المحال التجارية أن الناس يحاولون، قدر استطاعتهم، شراء بعض الاحتياجات، إلا أن الأوضاع المالية الصعبة، وعدم توفر السيولة النقدية، والفقر والبطالة، تحد من قدرتهم على الشراء، في حين تعوّل بعض الأسر على ما تقدمه المؤسسات الخيرية.
ويقول بائع الأحذية عمار أبو هدة لـ"فلسطين" إن أسعار الأحذية في الأسواق متفاوتة بحسب النوع والجودة، إذ تبدأ من نحو 50 شيكلًا وتصل إلى 150 شيكلًا للحذاء الواحد، مشيرًا إلى أن الأسعار تشهد ارتفاعًا بسبب التنسيقات.
وينبه أبو هدة إلى أن التفاوت في الأسعار يجعل الأسر أمام خيارات محدودة عند شراء مستلزمات أبنائها، إذ تحاول العائلات اختيار ما يتناسب مع إمكاناتها المالية، في وجود الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تمر بها.
وفي سوق الملابس، يقول أحد الباعة لصحيفة "فلسطين" إن عدم إلزام المدارس الطلبة بالزي المدرسي، خاصة في المرحلتين الابتدائية والإعدادية، دفع التجار إلى عدم عرض كميات كبيرة منه، في ظل محدودية الإقبال عليه.
ويضيف البائع أبو لؤي العصار لصحيفة "فلسطين" أن المصانع المحلية التي كانت تعتمد على المواد الخام في صناعة الزي المدرسي توقفت، الأمر الذي أثر على توفر الملابس المدرسية في الأسواق، في وقت يواجه فيه التجار صعوبة في توفير كميات متنوعة تلبي احتياجات الطلبة.

