فقدت الرياضة الفلسطينية خيرة أبنائها شهداء خلال حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ ما يقارب ثلاثة أعوام، وهي حرب حصدت أرواح 1019 شهيدا من أبناء الحركة الرياضية.
وستبقى سيرة هؤلاء الشهداء خالدة عبر التاريخ، شاهدة على بشاعة جرائم الاحتلال وما يرتكبه من إبادة واستهداف ممنهج للرياضيين والشباب.
الحديث هنا عن شهيد وقائد رياضي من طراز فريد، تمثل مسيرته وثيقة تاريخية تسلط الضوء على سيرة شهداء الرياضة الفلسطينية، الشهيد جمال أحمد مصطفى العقيلي (أبو يوسف)، أحد أبرز القادة والإداريين في الحركة الرياضية والشبابية الفلسطينية، وشخصية رياضية جامعة سخّر حياته لتطوير الرياضة والألعاب القتالية ودعم المبادرات الشبابية في فلسطين.
كان العقيلي من الذين جمعوا بين الشغف بالرياضة والانتماء الصادق للوطن، فلم تكن الملاعب والصالات الرياضية بالنسبة إليه مجرد مساحات للركض والمنافسة، بل منصات حمل من خلالها اسم فلسطين إلى المحافل الوطنية والدولية، وتمكن من تخطي الصعاب وترك بصمات واضحة في مختلف الألعاب والرياضات.
لم تكن الرياضة بالنسبة للراحل مجرد مهارة بدنية أو تنافس ميداني، بل كانت رسالة معرفية وأخلاقية تتجاوز التحديات وتصمد في وجه صعوبات الواقع.
ومن قلب الحصار وقلة الإمكانات في قطاع غزة، وفي ظل جغرافية معزولة حُرم فيها من السفر واكتساب الخبرات الخارجية، استطاع الراحل أن يؤسس بنيانا رياضيا متكاملا، وأن يضع قواعد منهجية متينة لنشر لعبة "الننشاكو" وبناء اتحاد رياضي قائم على التخطيط والاحترافية.
وبفضل أخلاقه العالية ورؤيته الإدارية، استطاع أن يعبر بهذه اللعبة حدود الجغرافيا والظروف المأساوية، لينقلها من زوايا الإمكانات المحدودة إلى منصات المحافل الدولية وتحقيق الإنجازات العالمية، تاركا إرثا إداريا ورياضيا يُحتذى به، ونموذجا استثنائيا في الإرادة والعطاء.
تأسيس الننشاكو
أسس الشهيد جمال العقيلي لعبة الننشاكو في فلسطين، ونجح في وضع نموذج خاص سُمّي "الأسلوب الفلسطيني" للعبة، مستخدما الأدوات البسيطة المتوفرة آنذاك.
ورغم أن اللعبة ليست محلية ولا تنتمي إلى الألعاب المعتادة في البيئة الفلسطينية، بل تعود أصولها إلى اليابان، نجح العقيلي في تدريبها ونشرها في قطاع غزة، لتحظى بإقبال كبير من الشباب.
بدأ العقيلي في سبعينيات القرن الماضي تدريب الشباب، رغم أن الظروف الصعبة وقلة الإمكانات كانتا تحولان أحيانا دون توفير متطلبات اللعبة. وكانت ساحات الجامعة الإسلامية مسرحا دائما للعروض الرياضية الخاصة بالننشاكو، وسط متابعة وإقبال وتشجيع.
وتعتمد اللعبة على عدد من الأسلحة التي تُصنع من الخشب، مثل عصا التونفا والساي والبو، وهي أسلحة نشأت تاريخيا في جزيرة أوكيناوا اليابانية. وظهر هذا الفن القتالي بعدما حظرت السلطات اليابانية وحكام المنطقة استخدام الأسلحة المعدنية التقليدية، مثل السيوف، على السكان والمزارعين، ما دفع السكان المحليين إلى ابتكار أساليب للدفاع عن النفس باستخدام أدوات الزراعة والصيد اليومية وتحويلها إلى أسلحة قتالية فعالة.
وترتبط أسلحة الكوبودو ارتباطا وثيقا بفن الكاراتيه، إذ يُتدرب عليها غالبا كجزء متقدم من فنون الدفاع عن النفس.
اعتمد الشهيد جمال العقيلي على وضع نظام معتمد للعبة ليصبح مرجعا للمدربين واللاعبين، وألّف كتابا عن الننشاكو وضع فيه القوانين والمهارات التي تحكم اللعبة، ليصبح المرجع الذي ما زال يحكم قوانينها حتى بعد رحيله، مع بروز نخبة من المدربين واللاعبين وأبطال الننشاكو، ومن بينهم نجله الأكبر يوسف وصهره أحمد العقيلي.
ونشر العقيلي اللعبة في مختلف المناطق من خلال اعتماد نظام تدريب مرن يسمح بتكوين فرق في كل منطقة، حتى وصلت اللعبة إلى القدس من خلال المدرب رائد أبو هدوان، وهو أحد حراس المسجد الأقصى.
من غزة إلى العالمية
وصل العقيلي بلعبة الننشاكو إلى العالمية، فبعد اعتماد "الأسلوب الفلسطيني"، شارك البطلان إياد عرفات ومحمد أبو صقر في بطولة العالم التي أقيمت في الولايات المتحدة الأمريكية عام 2005، وحصدا المركز الأول.
وكان هذا الإنجاز مصدر فخر للعبة وكوادرها وللرياضة الفلسطينية، التي احتفت حينها بهذا الإنجاز بما يليق بحجم ما حققه الأبطال من حضور قوي على الساحة الدولية.
عائلة رياضية
كانت عائلة جمال العقيلي عائلة رياضية بامتياز؛ فزوجته "أم يوسف" مدربة للعبة، وأسهمت في تدريب مئات الفتيات والسيدات. ولا تزال أم يوسف تعاني من آثار الإصابة التي تعرضت لها جراء قصف منزل العائلة.
أما نجله الأكبر يوسف، فهو لاعب ومدرب وحكم في اللعبة، فيما مارس باقي الأبناء والبنات اللعبة وشاركوا في العديد من البطولات والعروض الرياضية.
وتغلب الشهيد جمال العقيلي على عقبة منع السفر وإغلاق المعابر من خلال توظيف التكنولوجيا، إذ كان يصوّر مقاطع للاعبين ويرسلها إلى لجان التحكيم خارج غزة، كما استفاد من الوسيلة نفسها في دورات المدربين والحكام، إلى درجة أن الاتحاد كان بصدد تنظيم بطولة دولية في غزة عبر برنامج "زووم".
محطات من مسيرة جمال العقيلي
تتوزع مسيرة الشهيد جمال العقيلي بين العمل الإداري والقيادي، والاهتمام بالرياضات القتالية، ونشر لعبة الننشاكو في فلسطين، إلى جانب حضوره في الفعاليات والاستعراضات الرياضية والوطنية.
الإدارة والقيادة الرياضية
شغل العقيلي منصب مدير عام في وزارة الشباب والرياضة، وتولى منذ عام 2006 عددا من المواقع الإدارية، من بينها مدير عام الإدارة العامة للشباب، ثم الرياضة، والمنشآت، والعلاقات العامة والإعلام.
وخلال مسيرته في الوزارة، أشرف على إطلاق عشرات البرامج والمبادرات الشبابية والمشاريع الرياضية، التي استهدفت صقل مهارات الشباب وتعزيز حضورهم ودعم صمودهم، كما تميز بأسلوب قيادي قريب من الأندية والاتحادات، وأسهم في تطوير العمل الشبابي والرياضي.
الرياضات القتالية ونشر الننشاكو
حظيت الرياضات القتالية وفنون الدفاع عن النفس بمساحة واسعة من اهتمام العقيلي، وكان من أبرز من أسهموا في نشر وتأسيس قواعد رياضة "الننشاكو" في فلسطين، من خلال العمل على إدخالها إلى المدارس والجامعات والأندية الرياضية وتنظيم عروضها وفعالياتها.
كما قاد وشارك في إدارة العديد من الاستعراضات والعروض الرياضية الميدانية، التي أقيمت ضمن المناسبات والاحتفالات الوطنية والرياضية، ليصبح حضوره مرتبطا بجانب مهم من المشهد الرياضي والشبابي الفلسطيني.
الاستشهاد
في 22 ديسمبر/كانون الأول 2023، استشهد جمال العقيلي داخل منزله في شارع اليرموك وسط مدينة غزة، خلال الحرب التي كانت ولا تزال تحصد أرواح الفلسطينيين، برفقة نجله البكر يوسف وعدد من أفراد عائلته وأحفاده.
ورحل العقيلي تاركا خلفه إرثا رياضيا وإداريا ممتدا، وسيرة حافلة بالعطاء والعمل في خدمة الرياضة والشباب، لتبقى تجربته جزءا من ذاكرة الحركة الرياضية الفلسطينية.



