قبل الإصابة، كان أحمد عساف يعرف موقعه داخل أسرته جيدًا؛ زوجٌ وأب لثلاثة أطفال، ومعيل وحيد يتولى مسؤولية البيت ويعمل من أجل أسرته. لم يكن يتصور أن يأتي يوم يصبح فيه هو نفسه بحاجة إلى من يقوده في الطريق، ويساعده في تفاصيل يومه، ويعين أسرته التي كان يعيلها.
قبل نحو عامين، أصيب عساف في القصف، وفقد بصره بالكامل. استُؤصلت عينه اليمنى، بينما بقيت عينه اليسرى بحاجة إلى عملية جراحية كبرى، إلى جانب إصاباته الأخرى التي يقول إنها شملت كسرًا ونزيفًا في الجمجمة والأنف، وشظايا وحروقًا في أنحاء مختلفة من جسده.
ويقول عساف (٣٥ عاما) لصحيفة "فلسطين": "أنا متزوج ولدي ثلاثة أطفال. كنا أسرة جميلة، وكنت المعيل الوحيد لأسرتي، حتى أصبت منذ سنتين في حرب الإبادة، التي سلبت مني أعز ما يملك الإنسان، وهي حبيبتيّ".
منذ القصف، لم يعد عساف قادرًا على ممارسة حياته بالطريقة التي اعتادها. فقدان البصر جعله يحتاج إلى زوجته أو أحد أبنائه لمساعدته على المشي، فيما انتقلت الأسرة من الاعتماد عليه في تدبير شؤونها إلى مساعدته في تدبير يومه.
يضيف: "أصبحت بحاجة إلى من يعيلني أنا وأسرتي، بعدما أدت الإصابة إلى فقدي بصري بالكامل".
لكن أكثر ما يبقي عساف متعلقًا بفكرة العلاج هو ما يقوله عن عينه اليسرى. فبحسب ما نقله عن الأطباء، هناك أمل في عودة النظر فيها إذا تمكن من إجراء العملية خارج قطاع غزة، حيث لا تتوافر، بفعل حرب الإبادة، الإمكانيات اللازمة للتعامل مع حالته.
ويتابع عساف : "العين اليسرى بحاجة إلى عملية جراحية كبرى، وبحسب حكم الأطباء، يوجد أمل بعودة النظر فيها خارج القطاع نظرًا إلى قلة الإمكانيات، ومع مرور الوقت يضعف الأمل في عودة النظر".
لهذا، لا ينظر عساف إلى السفر باعتباره مغادرة لمكان أنهكته الحرب، وإنما بوصفه الطريق الذي يعتقد أنه قد يمنحه فرصة لإنقاذ ما تبقى من بصره. لا يعرف النتيجة التي يمكن أن يصل إليها العلاج، لكنه يعرف أن الانتظار ليس في صالحه، وفق ما أبلغه به الأطباء.
وفي انتظار تلك الفرصة وسط الحصار الإسرائيلي، يحاول عساف أن يستعيد شيئًا من حياته عبر الرياضة. بدأ التدريب بعد إصابته، لا بوصفه لاعبًا يبحث عن المنافسة، وإنما رجلًا يحاول الحفاظ على صحته، ومواجهة الفراغ، واستعادة ثقته بنفسه بعدما تركت الإصابة أثرًا عميقًا في حياته.
ويردف: "أمارس الرياضة اليوم حتى أحافظ على صحتي، وأملأ وقت الفراغ، وهي نوع من الدعم النفسي والثقة بالنفس، لأن الإصابة أثرت فيّ بشكل كبير".
كانت أول حصة تدريبية بعد الإصابة بالنسبة إليه أكثر من مجرد تمرين. يقول إنها منحته دفعة نفسية، وأشعرته بأن هناك طريقًا آخر يمكن أن يسلكه رغم فقدان البصر.
حتى المكان الذي اختاره عساف لهذا الطريق يحمل أثر الحرب. الصالة الرياضية التي يتدرب فيها تعرضت للدمار، ثم أعيد ترميمها، ليعود إليها التدريب من جديد. وهناك يشارك زملاء من ذوي الإعاقة الحركية والبصرية تدريباتهم، في مساحة يحاولون فيها استعادة قدرتهم على المشاركة بعد إصابات غيّرت أجسادهم وحياتهم.
ويقول عساف : "طالما أن الإنسان حي، يستطيع أن يصنع المستحيل. أتدرب أنا وزملائي من ذوي الإعاقة الحركية والبصرية حتى نوصل رسالتنا للعالم بأننا نستطيع صنع المستحيل رغم كل شيء".
غير أن عساف يعرف أن الرياضة تستطيع أن تساعده على التكيف، لكنها لا تستطيع أن تعيد إليه ما فقده. لذلك يبقى العلاج هو المسألة الأكثر إلحاحًا، وتبقى عينه اليسرى معلقة بعملية يقول إن أطباءه يرون أنها قد تمنحه فرصة لاستعادة النظر خارج القطاع.
وحين يتحدث عن تلك الفرصة، لا يذهب بعيدًا في أمنياته. لا يتحدث عن استعادة حياته السابقة بكل تفاصيلها، وإنما عن أشياء كانت عادية قبل الإصابة وأصبحت اليوم حلمًا: أن يرى زوجته، وأطفاله، وأحباءه، وأن يرى الألوان والحياة من جديد.
ويعبر عن أمنيته": "أملي وأمنيتي أن يرد الله إليّ بصري، لأرى زوجتي وأطفالي وأحبابي والألوان والحياة".
هذه الأمنية تختصر المسافة التي قطعها عساف منذ الإصابة؛ من رجل كان يحمل مسؤولية أسرة كاملة، إلى أب يحتاج إلى من يساعده على الحركة، ومن شخص يرى تفاصيل بيته وأطفاله، إلى رجل يحاول استعادتها بالصوت والذاكرة وانتظار العلاج.
وبينما يواصل تدريباته إلى جانب زملائه، تبقى حياته معلقة بفرصة السفر. فخلف فقدان العين اليمنى وإصابة اليسرى، تقف أسرة كان عساف معيلها الوحيد، وأطفال يريد أن يراهم، وحياة لا يطلب منها الكثير بقدر ما يريد فرصة طبية حقيقية.
عساف لا يعرف إن كان سيستعيد بصره، ولا يستطيع أحد أن يضمن له ذلك قبل تقييم حالته وإجراء العلاج اللازم. لكنه يتمسك بما أبلغه به الأطباء من وجود فرصة في عينه اليسرى، ويخشى أن يقل هذا الأمل مع مرور الوقت.
لذلك يواصل طلبه: أن يسافر للعلاج قبل أن تضيق نافذة الأمل، وأن يعود يومًا إلى زوجته وأطفاله لا كأب يعرفهم من أصواتهم، بل كأب يستطيع أن يرى وجوههم من جديد.