في وقت كانت الحرب تدفع كثيرين إلى تأجيل أحلامهم، كانت آلاء المدهون تبحث عن طريقة أخرى للمضي قدمًا، لم تكن تملك ظروفًا مثالية للتعلم، ولا طريقًا ممهدًا نحو النجاح.
كانت أرملة في السادسة والثلاثين من عمرها، وأمًا لطفل، تحمل في ذاكرتها فقد زوجها الشهيد، وتعيش في قطاع غزة تحت حرب طويلة أثقلت تفاصيل الحياة اليومية، لكنها اختارت ألا تجعل كل ذلك سببًا للتوقف.
من بين الخوف والنزوح وانقطاع الاتصالات والكهرباء، فتحت آلاء نافذة مختلفة على المستقبل، وبدأت تتعمق في مجال الذكاء الاصطناعي، حتى تحولت تجربتها من مجرد اهتمام شخصي إلى مسار أكاديمي ومهني، جعلها مدرّبة وباحثة في المجال، وصاحبة حضور متزايد بين الطلبة والمهتمين بالتقنيات الحديثة.
لم تبدأ الحكاية من الذكاء الاصطناعي، بل من حلم قديم حملته آلاء منذ دراستها الجامعية في تخصص الصحافة والإعلام. وبعد استشهاد زوجها عام 2018 في إحدى فعاليات مسيرات العودة، وجدت نفسها أمام مسؤوليات جديدة، من بينها رعاية طفلها واستكمال طريقها الأكاديمي الذي لم يكن قد اكتمل بعد.
في العام التالي لاستشهاد زوجها، عادت إلى الجامعة لاستكمال الساعات الدراسية التي كانت قد توقفت عنها، كان والدها حاضرًا بقوة في تلك المرحلة، يدفعها إلى مواصلة الطريق وتحقيق حلم زوجها بأن تصبح أكاديمية تحمل اسمًا علميًا ومهنيًا.
لم تكن العودة إلى الدراسة بالنسبة إليها مجرد استكمال لشهادة جامعية، بل كانت محاولة لإعادة ترتيب حياتها من جديد.
أنهت دراستها في الصحافة والإعلام، ثم التحقت ببرنامج الماجستير، وهي تحمل قناعة بأن الشهادة وحدها لا تكفي، وأن عليها أن تجعل من كل مرحلة تعليمية نقطة انطلاق إلى مجال جديد.
وهكذا، بالتزامن مع دراسة الماجستير، قررت أن تخوض تخصصًا تطبيقيًا في الوسائط المتعددة في الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية، إلى جانب دراستها النظرية في الجامعة الإسلامية.
كانت تجمع بين مسارين دراسيين في وقت واحد، وتوازن بين الدراسة ومسؤولياتها الأسرية ورعاية طفلها.
نجاح في مسارين
لم يكن الأمر سهلًا، لكنها نجحت في المسارين، وبدأت ملامح شخصيتها المهنية تتشكل بصورة مختلفة؛ صحفية وإعلامية، تمتلك أدوات تقنية، وتبحث باستمرار عن المجالات التي يمكن أن توسع قدراتها وتمنحها فرصة لصناعة اسمها الخاص.
رسالة ماجستير سبقت موجة الذكاء الاصطناعي، فحين وصلت آلاء إلى مرحلة اختيار موضوع رسالة الماجستير، لم تبحث عن موضوع تقليدي يسهل إنجازه، بل أرادت موضوعًا يحمل اسمها ويمنحها معرفة يمكن البناء عليها لاحقًا.
وقع اختيارها على الذكاء الاصطناعي في وقت لم يكن فيه المجال قد أصبح واسع الانتشار كما هو اليوم، تقول لصحيفة "فلسطين": "إن كثيرين كانوا يرون الطريق صعبًا، بسبب قلة المراجع والمصادر، ويحذرونها من أنها ستواجه مشقة كبيرة في إنجاز الرسالة".
لكن الصعوبة لم تكن سببًا للتراجع، بل أصبحت دافعًا للبحث بصورة أوسع.
بدأت آلاء رحلة طويلة في البحث عن المراجع والخبراء، وتواصلت مع جامعات وشخصيات أكاديمية عربية ودولية، بحثًا عن أي مصدر يمكن أن يساعدها في بناء دراستها وتلقت دعمًا من أكاديميين من العراق ومصر، إلى جانب حصولها على كتب ومراجع من خارج غزة.
وبعد جهد طويل، أنهت رسالتها وناقشتها عام 2022، لتصبح تلك التجربة واحدة من المحطات التي دفعتها لاحقًا إلى التخصص بصورة أعمق في الذكاء الاصطناعي.
كانت مشاركتها في مؤتمر حول الذكاء الاصطناعي والإعلام، أقيم في الكلية الجامعية، إحدى ثمار ذلك الطريق، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة أكثر اتساعًا.
الحرب التي لم توقف التعلم
حين اندلعت الحرب على قطاع غزة، لم تتعامل آلاء معها بوصفها نهاية الطريق، بل رأت فيها، على قسوتها، لحظة كشفت لها ضرورة امتلاك أدوات جديدة.
ومع عودة الاتصالات والإنترنت في بعض الفترات، بدأت تقرأ وتبحث بصورة مكثفة عن التطورات المتسارعة في الذكاء الاصطناعي، وكأنها تحاول تعويض المسافة التي فرضتها الحرب على غزة عن العالم.
لم تكن تملك رفاهية التعلم في ظروف طبيعية؛ فالإنترنت ينقطع، والكهرباء غير مستقرة، والتنقل محفوف بالمخاطر، والحياة نفسها كانت معلقة على احتمالات القصف والنزوح.
لكنها واصلت وفي إحدى المراحل، ومع عودة عدد من سكان شمال القطاع، تلقت آلاء عرضًا للتطوع في الكلية الجامعية ضمن مشروع يتعلق بالذكاء الاصطناعي والإعلام.
كانت تلك الفرصة بداية عملية جديدة، إذ أشرفت على مشروعين، وبدأت تثبت نفسها بصورة أكبر في المجال الذي اختارته.
ثم جاءها عرض للمشاركة في تأليف كتاب عن الذكاء الاصطناعي، في البداية، بدا الأمر أكبر من إمكاناتها، خصوصًا أن الكتاب كان يضم باحثين وأكاديميين من خارج غزة، لكن آلاء قبلت التحدي.
لم يكن الكتاب مجرد كتابة نظرية بالنسبة إليها؛ أرادت أن تفهم الأدوات بنفسها، وأن تجربها قبل أن تكتب عنها، وكانت ترى أن من يتحدث عن الذكاء الاصطناعي عليه أن يعرف كيف يعمل، لا أن يكتفي بالحديث عنه من بعيد.
وفي إحدى أكثر اللحظات دلالة على إصرارها، انقطعت الاتصالات والإنترنت في غزة، وكانت مطالبة بإنجاز جزء من فصل في الكتاب ضمن موعد محدد.
لم تسمح للظرف بأن يكون ذريعة للتأخير، فاضطرت إلى السير إلى النصيرات برفقة والدها وطفلها، لتسليم الجزء المطلوب وإنجاز المهمة التي التزمت بها.
لم تكن المسافة هي التحدي الوحيد، فقد كانت غزة في ذلك الوقت تعيش ظروفًا بالغة القسوة، لكن آلاء كانت ترى أن الثقة التي مُنحت لها مسؤولية يجب أن تفي بها.
لاحقًا، توسع نطاق الكتاب ليشمل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، وهو مجال أكثر تعقيدًا، لتشارك آلاء في خمسة فصول منه، في تجربة شكلت لها انتقالًا جديدًا من مرحلة التعلم إلى مرحلة الإنتاج المعرفي.
من الباحثة إلى المدرّبة
لم تتوقف آلاء عند البحث والكتابة، بل انتقلت إلى مرحلة أخرى: نقل المعرفة إلى الآخرين.
قدمت دورات وورشًا تدريبية في الذكاء الاصطناعي، وأسهمت في مبادرات تدريبية داخل الكلية الجامعية، كما طرحت فكرة إنشاء ملتقى إعلامي متخصص في الذكاء الاصطناعي لطلبة الإعلام.
كان الملتقى تجربة عملية، امتدت لساعات طويلة، وشارك فيها طلبة من الإعلام والميديا، وتلقى المشاركون تدريبًا من متخصصين في المجال.
بالنسبة إلى آلاء، لم يكن نشر المعرفة نشاطًا جانبيًا، بل جزءًا من مسؤوليتها كمتخصصة، فهي ترى أن العلم الذي يتعلمه الإنسان لا ينبغي أن يبقى محصورًا لديه، وإنما يتحول إلى معرفة متاحة للآخرين.
ومن هنا، أخذ حضورها كمدرّبة في الذكاء الاصطناعي يتوسع، لتصبح واحدة من الأسماء التي يلجأ إليها الطلبة والمهتمون للحصول على التدريب والمعرفة في هذا المجال.
واليوم، لا تتعامل آلاء مع الذكاء الاصطناعي باعتباره مجموعة من الأدوات الجاهزة، بل تركز بصورة خاصة على هندسة الأوامر وصناعة التأثير، باعتبار أن جودة النتائج التي يحصل عليها المستخدم ترتبط بقدرته على صياغة الأوامر وفهم الأداة التي يستخدمها.
وتختصر فلسفتها في هذا المجال بقاعدة واضحة: دقة المدخل من دقة المخرج.
فالأداة، في نظرها، لا تلغي عقل الإنسان ولا إبداعه، وإنما تصبح أكثر فاعلية عندما يعرف المستخدم كيف يوظفها لخدمة أفكاره ومهاراته.
رغبة في التعلم
المفارقة التي تمنح تجربة آلاء خصوصيتها أن صعودها المهني في الذكاء الاصطناعي تزامن مع حرب جعلت أبسط مقومات الحياة صعبة في غزة.
لكنها ترى أن الحرب، رغم كل ما خلفته من خسائر، كشفت كذلك طاقة جديدة لدى الشباب الفلسطيني، وأظهرت رغبة متزايدة في التعلم ومواكبة التطورات.
وترى أن الشباب في غزة لم يتعاملوا مع الذكاء الاصطناعي باعتباره رفاهية، بل بدأوا يبحثون عنه في مجالات البرمجة والإعلام والتصميم واللغة وغيرها، ويحاولون الوصول إلى أدواته رغم ضعف الإنترنت والكهرباء وارتفاع تكاليف بعض الخدمات.
وبالنسبة إليها، فإن غزة لا ينبغي أن تنتظر حتى تنتهي الحرب لكي تلحق بالعالم، بل عليها أن تبدأ من الآن، بما هو متاح، وأن تستثمر في المعرفة حتى في أصعب الظروف.
وهذه الفكرة هي التي تدفعها إلى مواصلة التدريب والتعلم، والبحث عن الأدوات المجانية، ومحاولة تجاوز العوائق التي تفرضها الظروف الاقتصادية والتقنية.
ورغم كل ما أنجزته، لا ترى آلاء أن رحلتها انتهت، على ورقة وقلم، تحتفظ بصورة واضحة لما تريد أن تصل إليه: أن تحمل اسمها يومًا شهادة الدكتوراه في الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي.