فلسطين أون لاين

"تقدم صفري".. فيما يستمر القتل وتتسع كارثة الدمار

وعود "مجلس السلام" تتوارى خلف دخان "القصف" وأنقاض المنازل

...
جانب من عمليات انتشال ضحايا عمارة السعادة غربي مدينة غزة
غزة/ عبد الله التركماني:

تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية على قطاع غزة، فيما تتوارى وعود "مجلس السلام" وخطة ترمب خلف دخان القصف وأنقاض المنازل، دون أن يتحول ما أُعلن عن إنهاء الحرب وحماية المدنيين إلى واقع يلمسه سكان القطاع.

وبينما تتسع دائرة الاحتياجات الإنسانية يوما بعد آخر، تبقى الخيام والكرفانات ومستلزمات الإيواء والآليات الثقيلة اللازمة لرفع الأنقاض ممنوعة إسرائيليا من الدخول، في وقت تتحول فيه الأبنية المتضررة إلى أفخاخ معلقة فوق رؤوس النازحين الذين فقدوا بيوتهم ولم يجدوا ملاذا آمنا.

وفي هذا الفراغ القاتل، وقعت مأساة عمارة السعادة في مدينة غزة؛ مبنى سكنيا من ستة طوابق، كان قد تضرر في قصف سابق، انهار فوق عائلات نازحة أجبرت على الاحتماء داخله لغياب البديل الآمن، ما أسفر عن استشهاد 21 مواطنا، بينهم 12 طفلا، وإصابة 14 آخرين، فيما بقي آخرون تحت الركام، وسط صعوبة عمليات الإنقاذ بسبب محدودية المعدات اللازمة لرفع الكتل الإسمنتية والوصول إلى العالقين.

وجه آخر للواقع

وبينما تتحدث الخطة عن السلام والاستقرار وإعادة الإعمار، تكشف عمارة السعادة وجها آخر للواقع في غزة: مدنيون يبحثون عن مأوى، وأبنية مهددة بالانهيار، وأنقاض تخفي تحتها مفقودين، ومعدات إنقاذ تنتظر طريقها إلى القطاع.

وكانت الإدارة الأمريكية أعلنت في يناير/ كانون الثاني 2026 تشكيل ما يسمى «مجلس السلام» وتعيين نيكولاي ملادينوف رئيسا تنفيذيا له، بالتوازي مع اعتماد «اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة»، ضمن المرحلة الثانية من خطة ترمب الشاملة لإنهاء الحرب. ووفق التعريف المعلن، أُسند إلى المجلس الإشراف الاستراتيجي على تنفيذ خطة من 20 بندا، تشمل تثبيت ما وصفه بـ"السلام والاستقرار"، وحشد الموارد الدولية، وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية، ومراقبة الانتقال من الحرب إلى إدارة مدنية.

وتكمن مسؤولية ملادينوف في أنه لم يُقدَّم باعتباره مراقبا بعيدا، بل حلقة وصل ميدانية ومسؤولا عن دفع الحوكمة والإغاثة وإعادة الإعمار إلى التنفيذ. لذلك، فإن تصريحاته عما يوصف بـ«السلطة الواحدة والقانون الواحد والسلاح الواحد» والأطر التفاوضية بشأن ذلك لا تجيب عن الأسئلة الأكثر إلحاحا في غزة: من يوقف القصف؟ ومن يفتح المعابر؟ ومن يدخل معدات الإنقاذ إلى عمارة مهددة بالانهيار؟

وبهذا المعنى، يقف ملادينوف أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية عن العجز في تنفيذ ما أُعلن.

لكن الفجوة بين التفويض والإنجاز اتسعت. فبعد أشهر من تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ظلت غير قادرة على دخول القطاع وممارسة مهامها، فيما بقيت غزة تئن تحت قيود إسرائيلية تتحكم في ما يدخل إليها ومن يخرج منها. وحتى الأمم المتحدة، التي رحبت بالإطار السياسي، شددت على أن قيمة تشكيل "مجلس السلام" واللجنة لا تُقاس بالبيانات، بل بترجمة هذه التطورات إلى «تنفيذ ملموس على الأرض».

ومنذ تشكيل اللجنة الوطنية، أُعلن أن مهمتها إدارة الحياة اليومية، وإعادة تأهيل الخدمات، وبناء المؤسسات المدنية. لكن السؤال بعد كل هذه المدة يبقى: ما الذي أنجزته داخل غزة؟ فالإنجاز الفعلي لا يقتصر على الاجتماعات أو إعداد قوائم الموظفين، بل يبدأ بالوصول إلى السكان، وفتح مراكز الخدمة، وتنظيم الإيواء، ودعم البلديات والدفاع المدني، وإطلاق سجل للأبنية المهددة، ثم إزالة الركام بما يحمي الأرواح.

تدوير وتأجيل الوعود

ويقول مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إسماعيل الثوابتة، لصحيفة "فلسطين" إن استمرار عمل "مجلس السلام" بالطريقة الحالية "يكشف أن المجلس لم يتحول إلى أداة لوقف العدوان، بل بقي إطاراً لتدوير الوعود وتأجيل الاستحقاقات الإنسانية".

ويضيف: "نحن أمام مجلس أعلن أنه جاء لإنقاذ غزة، لكن غزة لا ترى إنقاذاً؛ ترى القصف مستمراً، وترى النازحين محاصرين في أبنية مهددة بالانهيار، وترى الدفاع المدني يحفر بأدوات بدائية بحثاً عن أطفال أحياء تحت الركام".

ويشدد الثوابتة على أن مأساة عمارة السعادة لا يمكن فصلها عن منع إدخال المعدات والآليات الثقيلة ومواد الإيواء. وقال: "الفيديو الذي وثّق انتشال الطفل من تحت الأنقاض يجب أن يكون جرس إنذار دولياً، لأن الطفل لم يكن يحتاج إلى بيان تعاطف، بل إلى رافعة وجهاز كشف وطاقم إنقاذ وممر آمن. بل يحتاج أيضاً إلى وقف العدوان قبل كل هذا".

ويتابع: "نحمّل الاحتلال المسؤولية الأولى عن القتل والحصار، لكننا نحمل مجلس السلام وخطته والجهات القائمة عليها مسؤولية مباشرة عن العجز في تنفيذ ما أُعلن. لا يجوز لنيكولاي ملادينوف أن يتحدث عن الحوكمة وإعادة الإعمار و(ما يسمى) نزع السلاح، بينما لا يملك سكان غزة خيمة آمنة، ولا يملك رجال الدفاع المدني معدة ترفع الأنقاض".

وطالب بإدخال الكرفانات والخيام والوقود ومعدات قص الخرسانة والرافعات وآليات إزالة الركام فوراً، وبإخلاء الأبنية الخطرة وإنشاء مراكز إيواء مؤقتة. وقال: "نريد جدولاً زمنياً معلناً، وقائمة بما تم إدخاله، وتحديداً للطرف الذي يمنع التنفيذ. غزة لا تحتاج إلى مزيد من التصريحات؛ تحتاج إلى وقف القتل، وفتح المعابر، وإنقاذ المفقودين، وإيواء النازحين، والبدء الفوري بإزالة الركام". ودعا الثوابتة اللجنة الإدارية إلى دخول القطاع وأداء دورها، مؤكداً أن "اللجنة التي لا تصل إلى غزة لا تستطيع أن تدير غزة، والمجلس الذي لا يحمي دخولها لا يستحق أن يتحدث باسم السلام".

اختبار حقيقي

من ناحيته، يقول الكاتب والمحلل السياسي طلال عوكل، لصحيفة "فلسطين" إن "مجلس السلام" يواجه اختباراً حقيقياً لا يمكن النجاح فيه عبر الاجتماعات والبيانات.

ويضيف: "المجلس وُلد بوصفه آلية لتطبيق خطة ترمب، لكن المقياس الوحيد لهذه الخطة هو ما يجري في غزة. وإذا كان القصف مستمراً، والمعابر مغلقة أو مقيدة، واللجنة الإدارية عاجزة عن دخول القطاع، فإن النتيجة السياسية الواضحة هي أن المجلس لم يحقق شيئاً".

ويوضح عوكل أن التقدم الصفري لا يظهر في ملف واحد، بل في كل الملفات التي قيل إن المجلس سيعالجها. ويقول: "لم نرَ وقفاً مستقراً لإطلاق النار، ولم نرَ تدفقاً يوازي حجم الكارثة من المساعدات، ولم نرَ معدات رفع أنقاض تدخل لإنقاذ المفقودين، ولم نرَ برنامجاً عملياً لإيواء ملايين النازحين أو لإعادة إعمار ما دمرته الحرب. لذلك فإن عمارة السعادة ليست حادثاً منفصلاً، بل نتيجة مباشرة لغياب الحماية وغياب البديل وغياب أدوات الإنقاذ".

ويطالب عوكل "مجلس السلام" بأن يقوم بدوره في الضغط على (إسرائيل)، لا أن يكتفي بنقل الشروط بين الأطراف. وقال: "إذا كان ملادينوف هو حلقة الوصل الميدانية، فعليه أن يعلن بوضوح من يمنع دخول اللجنة الوطنية ومن يمنع الكرفانات والخيام والآليات"، في وقت يدفع المدنيون الثمن تحت الأنقاض.

ويدعو عوكل إلى إدخال اللجنة الوطنية إلى غزة ضمن ترتيبات دولية تضمن سلامتها وحرية حركتها، قائلاً: "اللجنة لن تكون لجنة إدارة حقيقية إذا بقيت في القاهرة. عليها أن تكون بين الناس، وأن تبدأ بإدارة الخدمات والإيواء والبلديات والدفاع المدني، وأن تضع خطة طوارئ للأبنية المهددة. وعلى مجلس السلام أن يفرض هذا الدخول بضغط سياسي ودولي واضح".

ويختم عوكل بالقول: "غزة لا تحتاج إلى خطة جديدة ولا إلى قاموس جديد من الوعود. المطلوب تطبيق ما اتُّفق عليه: وقف القتل، فتح المعابر، إدخال مستلزمات الإغاثة والإنقاذ، تمكين اللجنة من العمل، ثم الانتقال إلى إعادة إعمار تقودها احتياجات الفلسطينيين".

المصدر / فلسطين أون لاين