أظهرت مراجعة بحثية حديثة أن القراءة للمتعة ترتبط بجملة من الفوائد المعرفية والنفسية في مختلف مراحل العمر، من بينها تحسن الانتباه والذاكرة والوظائف التنفيذية، وانخفاض مستويات التوتر، إلى جانب ارتباطها بتباطؤ التراجع في القدرات المعرفية لدى كبار السن.
وأجرى باحثون من جامعة "كامبريدج"، بالتعاون مع مؤسسة "ذا كوينز ريدينغ روم"، مراجعة للأدلة العلمية المنشورة في هذا المجال، شملت دراسات طولية وسلوكية وأبحاثًا في تصوير الدماغ واستطلاعات تناولت العلاقة بين القراءة والصحة النفسية والمعرفية، ونشرت نتائجها في دورية "Psychological Medicine".
وأوضح الباحثون أن غالبية الأدلة المتاحة تشير إلى وجود ارتباط بين القراءة والنتائج الصحية، لكنها لا تثبت بالضرورة أن القراءة هي السبب المباشر لهذه الفوائد، إذ يمكن لعوامل أخرى، مثل مستوى التعليم والدخل والنشاط الاجتماعي والعادات الصحية، أن تؤثر في النتائج.
وفي مرحلة الطفولة، استندت المراجعة إلى دراسة واسعة شملت أكثر من 10 آلاف طفل ومراهق، أظهرت أن البدء بالقراءة للمتعة في سن مبكرة ارتبط بأداء أفضل في الانتباه والذاكرة العاملة والذاكرة العرضية والوظائف التنفيذية، فضلًا عن تحصيل دراسي أفضل وانخفاض المشكلات النفسية.
كما ارتبطت القراءة المبكرة بأنماط حياة أكثر صحة، من بينها النوم لفترات أطول وتقليل الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات، واستمرت بعض هذه الارتباطات حتى بعد ضبط مجموعة من العوامل الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية.
ولفتت المراجعة إلى أن طبيعة المادة المقروءة قد تكون أقل أهمية من كون القراءة اختيارية وممتعة، إذ يمكن أن تشمل الكتب والروايات والمجلات والقصص المصورة والروايات المصورة والمواد الرقمية.
أما لدى البالغين، فقد ربطت دراسات واستطلاعات القراءة للمتعة بمستويات أقل من التوتر، وتحسن الشعور بالرفاه، وزيادة التعاطف، إلى جانب انخفاض الشعور بالوحدة.
وفي دراسة في علم الأعصاب أُجريت عام 2024 بتكليف من مؤسسة "ذا كوينز ريدينغ روم"، ارتبطت قراءة القصص الخيالية لمدة خمس دقائق بانخفاض مؤشرات التوتر بنسبة وصلت إلى 20%، إلى جانب تحسن التركيز، إلا أن الباحثين شددوا على ضرورة التعامل مع هذه النتائج بحذر، في ظل محدودية حجم بعض الدراسات واختلاف طرق القياس.
وتبرز أهمية القراءة بصورة أكبر مع التقدم في العمر، إذ تشير دراسات طولية إلى أن الأنشطة المحفزة للدماغ، ومنها القراءة، ترتبط بتباطؤ التراجع المعرفي.
وفي دراسة شملت 5437 شخصًا تبلغ أعمارهم 55 عامًا فأكثر، كان الأشخاص الذين مارسوا أنشطة ذهنية، من بينها القراءة، بصورة متكررة أقل عرضة للإصابة بضعف إدراكي خلال فترة متابعة استمرت خمس سنوات.
كما وجدت دراسة أخرى تابعت 801 شخص تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر، أن قراءة الصحف والمجلات والكتب ارتبطت بانخفاض خطر الإصابة بألزهايمر بنسبة 33%.
وأكدت المراجعة أن هذه النسبة لا تعني أن القراءة تمنع ثلث حالات ألزهايمر، نظرًا إلى أن الدراسة رصدية ولا يمكنها استبعاد تأثير عوامل أخرى، مثل مستوى التعليم ونمط الحياة والمشاركة الاجتماعية، لدى الأشخاص الذين يقرأون بصورة منتظمة.
ويربط الباحثون هذه النتائج بمفهوم "الاحتياطي المعرفي"، الذي يفترض أن ممارسة الأنشطة الذهنية على مدى سنوات قد تساعد الدماغ على تحمل آثار الشيخوخة أو الأمراض العصبية لفترة أطول.
وتدعم بعض أبحاث تصوير الدماغ هذا الاحتمال، بعدما ربطت القراءة باختلافات في مناطق مسؤولة عن اللغة والتعلم والتحكم التنفيذي وتنظيم المشاعر، إلى جانب تغيرات في اتصال المادة البيضاء وسمك القشرة الدماغية.
ومع ذلك، شدد الباحثون على أن الأدلة العصبية لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث، خصوصًا أن بعض الدراسات اعتمدت على عينات محدودة ولا تكفي وحدها لإثبات أن القراءة تسببت مباشرة في هذه التغيرات.
كما أشارت المراجعة إلى أن القراءة الجماعية، سواء عبر نوادي الكتب أو القراءة المشتركة بين الآباء والأطفال، قد تضيف فوائد اجتماعية من خلال تعزيز التواصل والحد من العزلة.
وخلص الباحثون إلى أن القراءة للمتعة نشاط منخفض الكلفة وسهل الممارسة، وقد تكون وسيلة واعدة لدعم الصحة النفسية والمعرفية، مع الحاجة إلى دراسات طويلة الأمد وأكثر صرامة لتحديد حجم تأثيرها المباشر وفصله عن العوامل الأخرى المرتبطة بنمط الحياة.

