منذ ما يقارب عشرين عامًا، يعاني قطاع غزة حصارا خانقا ومطبقا، تخللته حروب وجولات تصعيد متكررة، كان آخرها الحرب الحالية التي امتدت لسنوات، وألحقت دمارًا واسعًا بمختلف مناحي الحياة. ومع استمرار هذا الواقع، لم تعد غزة تواجه أزمة إنسانية تقليدية، بل تحولت إلى بيئة تتآكل فيها بصورة متواصلة أبسط مقومات الحياة، من الأمن والمسكن والماء والكهرباء والغذاء والرعاية الصحية، إلى التعليم والعمل وحرية الحركة.
غزة اليوم تبدو كأنها سجن مفتوح بلا مقومات حقيقية للحياة، مساحة جغرافية صغيرة ومكتظة بالسكان، تعرضت أجزاء واسعة منها للدمار، في حين يعيش السكان بين الركام والخيام، ويكافحون يوميًا من أجل الحصول على احتياجاتهم الأساسية، مع انهيار اقتصادي واجتماعي غير مسبوق.
سجن بلا جدران تقليدية
السجن ليس بالضرورة أن تكون جدرانه من الإسمنت والحديد، فقد تكون جدرانه معابر مغلقة، وقيودًا على حركة الأشخاص والبضائع، ومرضى لا يستطيعون الوصول إلى العلاج، وطلابًا محرومين من فرص التعليم، ونقصًا في الغذاء والدواء، وانقطاعًا أو تراجعًا حادًا في خدمات المياه والكهرباء، ودمارًا واسعًا في الطرق والمساكن والمنشآت الاقتصادية والبنية التحتية.
فالسكان لا يواجهون فقط آثار الحرب والدمار، بل يواجهون أيضًا انهيارًا متراكمًا في مقومات الحياة الطبيعية، الأمر الذي يجعل تأمين الاحتياجات الأساسية معركة يومية بالنسبة لملايين السكان.
عندما يصبح الماء حلمًا وأزمة
من أكثر المؤشرات قسوة على حجم المأساة في قطاع غزة الوضع المتعلق بالمياه والصرف الصحي، فالماء ليس رفاهية ولا خدمة يمكن تأجيلها، وإنما هو أساس الحياة وشرط أساسي للصحة العامة والكرامة الإنسانية.
ومع ذلك، ما زال الحصول على مياه آمنة يمثل تحديًا يوميًا للسكان، في وجود الأضرار الكبيرة التي لحقت بشبكات المياه والصرف الصحي، والاعتماد الواسع على نقل المياه بالشاحنات، والمخاوف المستمرة بشأن جودة المياه وانتشار الأمراض المرتبطة بالمياه.
إن وصول الإنسان إلى مرحلة يصبح فيها الحصول على مياه نظيفة وآمنة تحديًا يوميًا، يعني أن المجتمع فقد واحدة من أهم ركائز الحياة الحديثة.
اقتصاد غزة.. من الانكماش إلى شلل الإنتاج
لا تقل الكارثة الاقتصادية في قطاع غزة خطورة عن الكارثة الإنسانية، فالاقتصاد لا يستطيع العمل مع تدمير المصانع والمنشآت التجارية والزراعية، وتعطل الأسواق، وتضرر الطرق والبنية التحتية، ونقص الطاقة والمواد الخام، وتراجع القدرة الشرائية، وفقدان آلاف العمال لمصادر دخلهم.
فالاقتصاد منظومة متكاملة، وعندما تتوقف عجلة الإنتاج، وتتضرر المنشآت الاقتصادية، وتتراجع حركة التجارة، ويُحرم العمال من فرص العمل، وتتآكل دخول الأسر وقدرتها الشرائية، يدخل الاقتصاد في دائرة مفرغة من الانكماش والبطالة والفقر.
ولهذا فإن إعادة إعمار غزة يجب ألا تُفهم باعتبارها مجرد إعادة بناء للمباني والمنشآت المدمرة، وإنما باعتبارها إعادة بناء للاقتصاد الفلسطيني في القطاع، واستعادة قدرته على الإنتاج والتشغيل والتجارة والاستثمار.