قائمة الموقع

الإيواء الكريم لنازحي غزة حق إنساني لا مِنّة ولا منحة

2026-09-15T09:39:00+03:00
فلسطين أون لاين

في غزة لا يموت الناس من القصف وحده، بل يموتون في انتظار تحسن لا يأتي، ومن خيمة تهترئ قبل أن يبدأ المطر، ومن صمت دولي يتحدث كثيرًا ويفعل قليلًا. وهنا لا بد من التوقف طويلًا أمام سؤال جوهري: لماذا تمنع (إسرائيل) إدخال الكرفانات إلى القطاع رغم توفرها، ورغم أن الطرق ليست مستحيلة، ورغم أن العالم كله يرى بعينه ما يحدث؟ والجواب ليس لغزًا ولا يحتاج إلى تحليل معقد؛ إنها سياسة ممنهجة لإدارة الأزمة لا لحلها، سياسة تريد أن تدفع الناس إلى حافة اليأس حتى يخرجوا من غزة، ليس بالقوة المباشرة وحدها، بل بالبرد والجوع والمرض والخيمة المهترئة التي لا تحمي من المطر ولا من الريح.

إن مجلس السلام يعيش صمتًا ثقيلًا، والمجتمع الدولي يمارس ازدواجية معيارية فاضحة. مادة 49 من اتفاقية جنيف الرابعة تحرم التهجير القسري ونقل السكان تحت الاحتلال خارج أرضهم، ومع ذلك تمنع (إسرائيل) الكرفانات ومواد الإيواء، وكأنها تقول للعالم: نحن نقرر من يعيش ومن يموت. والقرارات الدولية 242 و338 و2720 تظل حبرًا على ورق؛ لأن الشرعية الدولية، عندما تواجه القوة بلا آلية تنفيذ ذات فاعلية، تتحول إلى مجرد أرشيف دبلوماسي.

والحقيقة التي يجب أن تقال بوضوح: إن عددًا من الصحفيين الأجانب كتبوا في وصف حال غزة، وكذلك مسؤولون دوليون مثل مارتن غريفيث وفيليب لازاريني وكاثرين راسل، قالوا ووصفوا غزة بأنها غير صالحة للحياة، وقالوا إن الشتاء سيكون كارثة إضافية. ولكن الصوت العالي في الإعلام الغربي يخفت عندما يتعلق الأمر بالتنفيذ، وكأن العالم اعتاد على مشاهدة المأساة كمسلسل طويل لا ينتهي.

والغريب أن الجميع يعرف أن الحل بسيط وممكن: إدخال كرفانات لحين بدء الإعمار، وبناء مخيمات منظمة بإشراف أممي، وتوزيع عادل للمساعدات، لكن الإرادة السياسية غائبة.

القانون لا يحتاج إلى ترجمة، يا سادة، فمنع دخول الكرفانات والتضييق على دخول المواد الأولية إلى غزة في ظل الاحتلال عقاب جماعي محرم دوليًا، واستخدام الجوع كسلاح حرب جريمة، والتهجير القسري جريمة ضد الإنسانية، و(إسرائيل)، القوة القائمة بالاحتلال، ملزمة بتأمين احتياجات السكان المدنيين، لكنها تتجاهل ذلك عمدًا؛ لأنها تريد الضغط من أجل التهجير، وليس لأنها عاجزة. والمسؤولية القانونية هنا لا تسقط بالتقادم، والولاية القضائية العالمية صارت مطلبًا لا ترفًا قانونيًا، والمساءلة يجب أن تطال كل من يشارك في هذا الابتزاز الإنساني.

المطلوب ليس شفقة ولا فتاتًا، بل مخيمات منظمة للنازحين وفق معايير إنسانية توفر البنية التحتية الدنيا: ماء نظيف، ومراحيض آمنة، وخيام تحمي أو كرفانات ووحدات صحية، وطعامًا كافيًا، وتدفئة، ومدارس مؤقتة، ومساحات آمنة للنساء والأطفال، وحماية دولية. هذه ليست رفاهية، بل حد أدنى من الكرامة الإنسانية. والتنظيم هنا ليس بيروقراطية، بل حماية من الفوضى والاستغلال والمرض. والوصاية الدولية المطلوبة ليست وصاية على القرار الوطني، بل إسناد للبقاء الكريم.

السياسة الإسرائيلية تريد غزة بلا خيام تصلح، وبلا كرفانات، وبلا حياة، وبلا أمل، حتى يتحقق التهجير بالقوة الناعمة: مرة بالبرد، ومرة بالجوع، ومرة بالقصف.

والمجتمع الدولي يكتفي بالبيانات، ومجلس الأمن يعقد جلسات ثم ينام على قرارات لا تنفذ، والتراتبية الدولية تكشف أن صمت مجلس السلام على إدخال الكرفانات ليس عجزًا فقط، بل تواطؤ أخلاقي ومؤسسي. والمنظومة الأممية تفقد مصداقيتها عندما تتحول قراراتها إلى أرشيف بلا آلية تنفيذ.

يا أيها العالم، الشتاء لا ينتظر، والخيمة المهترئة لا تحمي من المطر ولا من البرد ولا من المرض. والمطلوب الآن إدخال الكرفانات فورًا، وبناء مخيمات منظمة بإشراف الأمم المتحدة والهلال الأحمر والمنظمات الحقوقية، وضمان وصول المساعدات دون عراقيل، ووقف سياسة التهجير القسري. فالحياة الكريمة ليست ترفًا، بل حق لكل إنسان، والصمت عن غزة ليس سلامًا، بل جريمة كبرى.

وإذا لم يتحرك مجلس السلام الآن، فسيحاسب التاريخ أعضاءه، وستبقى غزة شاهدة على أن النخبة الدولية اختارت الصمت حين كان المطلوب موقفًا.

اخبار ذات صلة