قائمة الموقع

استعدادات "خجولة" في مخيمات الإيواء لمواجهة موسم شتاء "استثنائي"

2026-09-23T08:35:00+03:00
الغزيون يستعدون لاستقبال الشتاء تحت شوادر مهترئة وبين جدران متصدعة (تصوير- محمود أبو حصيرة)
فلسطين أون لاين

بدأت العائلات النازحة في مخيمات ومراكز إيواء قطاع غزة، استعداداتها للشتاء بما تملك من حبال وشوادر وقطع نايلون ومواد بدائية لسدّ الشقوق. في خيمة مهترئة، يُعاد شدّ حبل ارتخى، ويُثبت وتد اقتلعته الرياح، وتُرفع الفرشات عن الأرض تحسباً للمياه. وفي منزل متصدع، تُمدّ طبقة من القار فوق سقف أنهكته الضربات، في محاولة يائسة لمنع اقتلاع الخيام المهترئة وانهيار الاسقف المتصدعة.

وتأتي استعدادات سكان غزة الخجولة لمواجهة فصل الشتاء القادم في وقت تقول فيه منظمة اليونيسف الأممية إن نحو 84% من سكان قطاع غزة، أي أكثر من 1.76 مليون شخص، يعيشون في مواقع نزوح مكتظة أو ملاجئ متضررة وغير ملائمة، مع حماية محدودة من البرد والأمطار الغزيرة والفيضانات. كما حذرت الأمم المتحدة، استناداً إلى معطيات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، من أن عواصف سابقة أثرت على 65 ألف أسرة، واقتلعت خياماً وألحقت أضراراً بالمنازل والممتلكات.

استعدادات لا تقي برد الشتاء

في الجهة الغربية من مدينة غزة، تبدو خيمة عائلة أبو عرب كأنها ورشة صغيرة مفتوحة الجوانب. يخرج محمد أبو عرب من مدخلها حاملاً حبلاً سميكاً، ثم ينحني عند إحدى الزوايا التي ارتفعت قليلاً عن الأرض. يثبت الحبل في وتد معدني، يشده بكلتا يديه، ويعود إلى منتصف الخيمة ليتفقد الشادر من الداخل. هناك، تظهر بقع باهتة على القماش؛ آثار مطر سابق وتسربات لم يعد من السهل إخفاؤها.

نزحت العائلة قسرا من بيت حانون، شمال قطاع غزة، إلى هذا المخيم بعد أن فقدت منزلها. ومنذ ذلك الوقت، لم يعد أبو عرب يتعامل مع الخيمة بوصفها مأوى مؤقت فحسب، بل بوصفها المنزل الوحيد الذي يستطيع حمايته بيده. يوزع الحبال على أكثر من نقطة، ويضيف حبالاً أخرى فوق الشادر، لأن الريح لا تختبر القماش وحده، بل تختبر كل عقدة وكل وتد وكل قطعة أرض رخوة تحت الخيمة.

يقول أبو عرب، لصحيفة "فلسطين": "الخيمة التي كانت تسترنا في بداية النزوح لم تعد كما كانت. الشادر اهترأ، والحبال ارتخت، وكل فتحة صغيرة تعني ماءً فوق الفرش والملابس وأجساد الأطفال. أنا لا أستعد للشتاء كي أعيش مرتاحاً؛ أحاول فقط أن أمنع المطر من الدخول إلى المكان الذي ننام فيه".


 

اضطر الرجل إلى شراء عدة شوادر جديدة، واستبدال الأجزاء القديمة التي تشققت أو فقدت قدرتها على العزل. يقول إن شراءها لم يكن قراراً سهلاً، لكنه كان أقل كلفة من انتظار المساعدة في خيمة لا يمكنها تحمل موسم آخر. ويضيف: "كنت أتمنى أن تصلنا المواد من جهة إغاثية، لكن المساعدات لا تكفي، ولا توجد شوادر لكل الناس. عندما ترى الشادر ممزقاً فوق أطفالك، لا تستطيع أن تقول لهم انتظروا حتى يأتي الدور. تذهب وتشتري بما تملك، حتى لو كان ذلك على حساب الطعام أو الدواء".

أثناء حديثه، رفع أبو عرب طرف الشادر القديم وأشار إلى الأرض القريبة من الخيمة. لا توجد قناة واضحة لتصريف المياه، ولا مسافة كبيرة تفصل الخيمة عن خيام أخرى. يعرف الرجل أن تغيير القماش لن يحل المشكلة كلها؛ فإذا هطلت الأمطار بغزارة، قد تأتي المياه من أطراف المخيم لا من أعلى الخيمة فقط. لذلك يحاول رفع بعض الأغراض عن الأرض، ويضع ما يستطيع من قطع خشب وأحجار حول الحواف، ويترك ممراً ضيقاً للحركة.

"أخاف من اللحظة التي تهب فيها الريح ليلاً"، يتحدث أبو عرب عن مخاوفه، قبل أن يضيف "في النهار يمكننا أن نمسك الشادر ونصلح الحبل. أما في الليل، ومع المطر، فكل شيء يصبح أصعب: الأطفال يستيقظون، والفرش يبتل، ولا نعرف أين نذهب. نحن لا نطلب رفاهية؛ نطلب خيمة لا تنهار، وشادراً لا يتحول إلى منخل، ومكاناً لا تغمره المياه".

في خيمة أبو عرب، تبدو الاستعدادات متواضعة: حبال إضافية، شوادر بديلة، وأوتاد يجري اختبارها مرة بعد مرة. لكنها بالنسبة إلى العائلة تمثل محاولة لتأخير الخطر، لا إلغاءه. فالأسرة تعرف أن الخيمة قد تصمد أمام مطر عابر، لكنها لا تملك ضماناً أمام عاصفة طويلة أو أرض منخفضة أو نقص جديد في مواد الإغاثة.

توقعات أممية

تشير أحدث خطة شتوية لليونيسف إلى أن الخطر المتوقع لا يتعلق بانخفاض درجات الحرارة وحدها، بل بتداخل البرد مع الأمطار الغزيرة والفيضانات والاكتظاظ وضعف الخدمات الأساسية. وتقول الخطة إن الأطفال، ولا سيما الرضع والصغار ومن لديهم أمراض سابقة، معرضون لانخفاض حرارة الجسم والتهابات الجهاز التنفسي والأمراض المنقولة بالمياه. وتذكر أن ما لا يقل عن 11 طفلاً، بينهم رضع، توفوا بسبب انخفاض حرارة الجسم خلال الشتاء السابق في غزة.

وتضيف معطيات أممية منشورة في يناير/ كانون الثاني 2026 أن عواصف شتوية سابقة غمرت مواقع نزوح كاملة بسبب انخفاض بعض الأراضي وعدم كفاية أنظمة الصرف الصحي. كما أشارت إلى أن أكثر من مليون شخص كانوا بحاجة ماسة إلى مساعدات الإيواء، وأن الخيام لا يمكن أن تكون حلاً أساسياً ووحيداً، لأنها توفر حماية مؤقتة فقط، بينما يتطلب الوضع إصلاح المساكن المتضررة والانتقال إلى حلول أكثر استدامة.

وفي تقرير فلسطيني نُشر في سبتمبر/أيلول 2026، وردت تحذيرات من تدهور الخيام وضعف تصريف المياه، مع دعوات إلى إدخال خيام مقاومة للمطر ومواد عزل وأغطية وملابس شتوية وتجهيز ممرات وشبكات لتصريف المياه. وتزداد المخاطر مع توقف محطات معالجة مياه الصرف الصحي وخروج جزء كبير من محطات الضخ عن الخدمة، وفق الأرقام الواردة في التقرير نفسه.

"الغريق يتعلق بقشة"

في منزل متصدع غرب مدينة غزة، لا ينظر مصطفى خيري إلى السقف باعتباره جزءاً ثابتاً من البيت. يرفعه بعينيه كلما سمع صوتاً فوقه، ويتفقد الخطوط التي شقت سطحه بعد الأضرار التي لحقت بالمبنى. تعيش عائلة خيري المؤلفة من ستة أفراد بين جدران تحمل آثار الضربات والرطوبة، فيما يحاول رب الأسرة أن يسبق المطر بخطوة صغيرة: شراء مادة القار وسد التشققات قبل أن تتحول إلى فتحات واسعة.

يجمع خيري المال اللازم لشراء المادة، ثم يخطط لتوزيعها على أكثر المناطق تضرراً في السقف. لا يتحدث عن ترميم كامل، ولا يملك أدوات هندسية أو مواد بناء تكفي لإعادة البيت إلى حالته السابقة. ما يفعله أقرب إلى إسعاف للمنزل؛ محاولة لإغلاق مسار المياه مؤقتاً، وتأجيل اللحظة التي يبدأ فيها السقف بالتسرب إلى الغرف.

يقول خيري لصحيفة "فلسطين": "أنا أعرف أن (الزفتة) القار لن تجعل البيت آمناً، وأعرف أنها لن تعالج الشقوق العميقة في الجدران. لكنها الشيء الوحيد الذي أستطيع فعله الآن. إذا تركت السقف كما هو، سيدخل المطر إلى البيت من أول منخفض، وإذا انتظرت إصلاحاً شاملاً فقد يأتي الشتاء قبل أن يتوفر أي شيء".


 

يعيش أفراد الأسرة الستة في مساحة تضيق أكثر عندما تُغلق بعض الغرف خوفاً من سقوط أجزاء من السقف أو الجدار. وتتحول الأمطار إلى مصدر قلق مزدوج: مياه قد تتسرب من الأعلى، ورطوبة قد تتجمع حول التشققات وتزيد هشاشة مواد البناء. ويقول خيري إن العائلة لا تملك مكاناً بديلاً تذهب إليه إذا أصبح المنزل غير قابل للإقامة.

ويضيف خيري: "أرى التشقق، لا أرى إسمنتاً فقط؛ أرى مكان نوم أولادي، وأرى الملابس والفرش والطعام. الخوف الحقيقي أن يهطل المطر ونحن نراقب السقف بدلاً من أن ننام. لا نعرف هل المشكلة ستبقى تسريباً أم ستتطور إلى انهيار".

يضع الرجل يده على موضع متشقق، ثم يشرح أن القار قد تمنع المياه من التسلل عبر بعض الفتحات، لكنها لا توقف الخطر الإنشائي إذا كانت الأعمدة أو الجدران قد تضررت. ومع ذلك، لا يجد أمامه خيارات كثيرة. فاستئجار مسكن آخر يحتاج إلى مال، والانتقال إلى مركز إيواء يعني ازدحاماً جديداً، بينما البقاء في المنزل يترك الأسرة تحت سقف غير موثوق.

"لا أتوقع كثيراً من الإجراء الذي أقوم به"، يقول خيري، "لكن لا يوجد خيار آخر. نحن لا نصلح بيتاً طبيعياً؛ نحن نحاول أن نمنع بيتاً متعباً من السقوط فوقنا. أحتاج إلى مهندس يفحص الجدران، وإلى مواد تدعيم، وإلى مكان آمن لعائلتي إذا قالوا إن المنزل لا يصلح. أما الآن فأنا أشتري الزفتة وأتمنى أن تؤخر الكارثة ولو أياماً".

لا يملك خيري قدرة على معرفة ما إذا كانت التشققات سطحية أم إنشائية، ولا يستطيع تحمل كلفة فحص متخصص أو ترميم شامل. لهذا، فإن استعداد الأسرة لا يساوي استعداداً حقيقياً بالمعنى الهندسي؛ إنه إجراء اضطراري يهدف إلى تقليل التسرب، بينما يبقى السؤال الأكبر بلا إجابة: أين ستذهب الأسرة إذا اشتدت الأمطار أو صدر تحذير من خطر انهيار؟

واقع هش

من ناحيته، يقول الراصد الجوي قصي حلايقة لصحيفة "فلسطين": "من المبكر التعامل مع شتاء 2026–2027 على أنه سيناريو محسوم من حيث كمية الأمطار أو عدد العواصف التي ستؤثر في قطاع غزة. التنبؤات الموسمية تعطينا مؤشرات احتمالية عن أنماط الحرارة والهطول على نطاق واسع، لكنها لا تستطيع الآن تحديد يوم العاصفة أو كمية المطر التي ستسقط فوق مخيم بعينه. هذه التفاصيل تصبح أكثر موثوقية كلما اقتربنا من موعد الحالة الجوية، ولذلك يجب الاعتماد على النشرات القصيرة والمتوسطة المدى عند اقتراب المنخفضات".

ويضيف: "لكن عدم القدرة على تحديد العاصفة من الآن لا يعني أن الخطر منخفض. قطاع غزة يدخل الموسم بواقع ميداني شديد الهشاشة. الخيام القديمة قد تفقد قدرتها على مقاومة الرياح والمياه، والمواقع المنخفضة قد تتجمع فيها المياه بسرعة، بينما تجعل الأرض الطينية أو الممرات غير المعبدة حركة الناس والإغاثة أصعب. وقد لا تحتاج العائلة إلى عاصفة استثنائية حتى تتضرر؛ أحياناً تكفي زخات غزيرة خلال فترة قصيرة إذا كانت قنوات التصريف مسدودة أو غير موجودة".


 

ويوضح حلايقة أن الخطر الثاني يتعلق بالمنازل المتصدعة "المطر لا يسبب وحده انهيار المبنى، لكنه قد يزيد وزن الأسقف المبتلة، ويتسرب إلى الشقوق، ويضعف بعض المواد، بينما يمكن للرياح أن تضغط على الأجزاء غير المثبتة. لذلك لا ينبغي اعتبار وضع الزفتة أو تغطية الشقوق حلاً إنشائياً. هذه الإجراءات قد تحد من تسرب المياه، لكنها لا تغني عن فحص المبنى من مختص، ولا عن إخلاء السكان إذا ظهرت علامات خطرة مثل اتساع التشققات، أو هبوط السقف، أو تساقط أجزاء من الجدران".

ويتابع: "بالنسبة إلى خيام النازحين، الأولوية قبل أي منخفض هي تثبيت الخيمة جيداً، وتوزيع نقاط الشد، وفحص الحبال والأوتاد، وإبعاد الخيمة عن مجاري المياه والمنخفضات قدر الإمكان، ورفع الفرش والأمتعة عن الأرض. لكن المسؤولية لا يمكن أن تقع على العائلات وحدها. المطلوب هو إدخال شوادر وخيام مقاومة للمطر، وتوفير مواد عزل، وفتح ممرات لتصريف المياه، وإنشاء نظام إنذار واضح يصل إلى المخيمات قبل اشتداد الرياح أو الهطول".


 

اخبار ذات صلة