داخل إحدى الخيام التعليمية في مخيم إيواء يقع بحي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، تجلس جنى طليب على أحد المقاعد بانتظار قدوم المدرسة للمراجعة الاستدراكية التي تنخرط فيها قبيل بدء الموسم الدراسي للعام الجديد في 19 سبتمبر/ أيلول الجاري، ضمن خطط تعليمية تعالج الفاقد التعليمي وتراجع المنهاج الدراسي السابق قبل انتقال الطلبة لمراحل جديدة بالمرحلة الابتدائية.
وليست الدراسة وحدها ما دفع الطالبة بالصف السادس للقدوم مبكرا، فتجد هذا الوقت فرصة ومساحة للهروب من أجواء المتطلبات اليومية والأعباء المنزلية من تعبئة المياه وطوابير المياه، للجلوس مع صديقاتها في أجواء تعلم تعيد بها الذاكرة للأجواء الدراسية قبل الحرب.
تحمل المدرسة التعليمية اسم "زهرة بين الركام" وتضم ستة فصول دراسية، وبالرغم من أن الموسم الدراسي لم يبدأ فعليا، فإن ثلاثة من الفصول كانت ممتلئة بطلاب رياض الأطفال بمرحلة التمهيدي وتصدح منها أصوات الطلاب وهم يرددون خلف المدرسات، وفي بعض الفصول الأخرى كانت تقوم المعلمات خلالها بمراجعة المنهاج للطلبة في برنامج تنظمه منذ ثلاثة أشهر.
وأصبحت الحاجة لوجود مدرسة تعليمية دخل مخيمات الإيواء مطلبا أساسيا للأهالي الذين يخشون من إرسال أبنائهم لأماكن ومدارس بعيدا خوفا من حدوث توترات أمنية ووقوع قصف يشكل خطرا على حياتهم.
كانت الخيام في رياض تتزين بوسائل تعليمية مساندة تضم بطاقات حروف، وألعابا، وملصقات لتعلم الكلمات والجمل، إضافة إلى حبال الزينة التي تشرف عليها مؤسسات تعنى بالأطفال كمركز القطان الذي يشرف على إحدى الفصول الدراسية.
وفي خيمة أخرى كانت مجموعة من الفتيات يلعبن مع المنشطة التعليمية بواسطة "البرشوت" وبصورة متناسقة وموحدة يبتعدن للخلف ثم يقتربن للداخل على شكل وردة بصورة سريعة ومتتابعة مع صرخات فرح ولعب أشبه بعملية تفريغ نفسي.
استفادة كبيرة
تقول جنى لصحيفة "فلسطين" عن البرنامج الاستدراكي: "استفدت كثيرا من هذا البرنامج، من خلال مراجعة دروس العام السابق، وأصبحت بوضع جيد جدا للانخراط بالموسم الدراسي الجديد. الشرح الاستدراكي جعلني أفهم بعض الأشياء التي نسيتها خاصة الأشياء المهمة".
أما زميلتها لانا الحمامي التي تنخرط أيضا بالمراجعة والتعليم الاستدراكي داخل المدرسة فتقول: "استفدت كثيرا من دروس المراجعة وقمت برفع معدلي الدراسي، كما أنني تعلمت أشياء جديدة من المعلمات لم أكن أعرفها أو كنت نسيتها. الكثير من أفراد عائلتي استشهدوا وأجواء المدرسة جميلة خاصة أنني حرمت منها خلال الإبادة وعدت للانخراط في الدراسة في الفصل الدراسي الثاني بشهر ديسمبر/ كانون الأول 2025".
وبعد رحلة نزوح استقرت الطالبة حلا اقطيفان في المنطقة المحيطة بالمدرسة عند بيت جدها منذ بداية العام، ما دفعها للانخراط بالمدرسة، وتحكي لصحيفة "فلسطين": "تعلمت خلال البرنامج الاستدراكي القسمة والطرح والضرب بشكل جيد، كما أنني آتي إلى هنا للعب مع زميلاتي اللواتي تعرفت عليهن".
ونبعت فكرة إنشاء المدرسة التعليمية من رغبة مديرتها ريما سكيك في إبعاد الأطفال عن طوابير تكايا الطعام والمياه والخبز وأخذهم لوضعهم الطبيعي وممارسة حقهم في التعليم والعيش حياة كريمة، وتقول لصحيفة "فلسطين": إن "المبادرة انطلقت في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، وتطوع معنا فريق من المعلمات في التعليم الأساسي والرياضيات وعملنا على مدار عامين، بدأنا بالدراسة في فصل واحد وكان لدينا فقط لوح صغير وكنا نجلس على الحجارة والأرض وكان لدينا إصرار على أن يحصل الطلاب على حقهم في التعليم".
وعن طبيعة البرامج المعالجة التي تقوم بها المدرسة، توضح أنهم بدؤوا منذ ثلاثة أشهر في تأسيس ومعالجة للطلاب عبر نظام "التعليم المسرع" لتأهيلهم للعام الدراسي الجديد، مشيرة إلى أن عدد الطلاب الحالي داخل المدرسة بلغ 800 طالب من الصف الأول حتى السادس إضافة لفصول لمرحلة التمهيدي.
تطور تدريجي
وبدأت سكيك مدرستها بخيمة واحدة و35 طالبا فقط قبل عامين ثم تطور الأمر تدريجيا وبدأ يزداد عدد الطلاب الذين كانوا يجلسون على الحجارة، ثم أنشأت فصولا أخرى وبدأت تدريجيا بجلب المقاعد والطاولات إلى أن أصبحت مدرسة معتمدة تلبي احتياج المخيم الكبير الذي يضم 500 أسرة.
وينتظم الطلاب داخل الخيام التعليمية بنظام "التدوير السداسي" على ثلاث فترات يومية وثلاثة أيام أسبوعية، ونالت اعتمادا من وزارة التربية والتعليم.
وتشير إلى أن المنطقة لم تكن تضم نقطة تعليمية وهذا ما دفع سكيك لإنشاء المدرسة بين ركام حي الزيتون، لتزهر الخيام بالعلم من بين الركام.
وتضيف: "بعدما سلمنا إفادات وشهادات الطلاب في شهر مايو/ أيار الماضي، بدأنا التعليم المساند والمراجعة في القراءة والكتابة للغة الغربية والرياضيات والعلوم".
ومن المعيقات التي تواجه العملية التعليمية داخل المدرسة وفي عموم المدارس الأخرى انعدام شبه كامل لأقلام الكتابة على الألواح، ما جعل المعلمات يستعملن الطباشير، إضافة إلى ارتفاع سعر الطباعة والورق والرزم التعليمية، ما يعيق تنفيذ خطط تعليمية عديدة.