كان أحمد يونس الشرباصي (28 عامًا)، وشقيقه الأصغر محمد البالغ (23 عامًا) يحملان قبل حرب الإبادة مسؤولية أسرة أنهكها المرض والحاجة، ومع اندلاع الحرب، لم يفقدا مصدر دخلهما وأمانهما فقط، بل أصيبا إصابات خطيرة جعلت العائلة التي كانا سندها تواجه عبئًا جديدًا لا تعرف كيف تحمله.
لم تكن حياة عائلة الشرباصي سهلة قبل الحرب، لكنها كانت قائمة على جهود أبنائها، وفي مقدمتهم أحمد، الابن البكر، الذي اعتاد أن يعمل بما يستطيع لتوفير احتياجات أسرته، في وقت لم يعد والده قادرًا على العمل بسبب مرض الغضروف، في حين تعاني والدته مرضًا في الكبد.
كان أحمد قد بدأ حياته أصلًا بظرف صحي ترك أثره في حركته؛ إذ وُلد بعيب خلقي في ظهره، وأُجريت له عملية جراحية لإغلاق الفتحة الموجودة فيه، وعلى الرغم مما خلفته العملية من صعوبات في الحركة، لم يتوقف عن محاولة إعالة أسرته، فكان يعمل على بسطة صغيرة يوفر من دخلها احتياجات البيت.
لكن الحرب قلبت حياة الأسرة رأسًا على عقب، تقول والدته لصحيفة "فلسطين": "منذ بداية الحرب ونحن نتشرد وننزح قسرا من مكان إلى آخر، وفي يوم عدنا إلى بيتنا في حي التفاح بمدينة غزة، وفجأة صارت الصواريخ فوق رؤوسنا، فما كان منا إلا أن نهرب وننجو بأنفسنا".
في تلك اللحظات، لم تعد الأسرة قادرة حتى على البقاء معًا، كان القصف شديدًا، فتفرقت الأم عن أبنائها وبناتها، وكل واحد منهم بحث عن مكان يقيه الخطر.
تتذكر الأم تلك الساعات قائلة: "تفرقنا عن بعضنا من شدة القصف، وعند مدرسة الشجاعية كان هناك الكثير من الشهداء، وكل ما كنت أفكر فيه هو: أين أولادي؟"
بعد أن تجاوزت المنطقة الأخطر، بدأت الأم رحلة البحث عن أبنائها، ومع اقتراب المغرب، تمكن أفراد الأسرة من العثور على بعضهم، لكن خبرًا آخر كان ينتظرهم؛ أحمد أصيب.
كان ذلك في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، خلال الشهر الثاني للحرب، أصيب في يده بشظايا، في حين أصيبت ساقه اليمنى إصابة مباشرة أدت إلى بترها من أسفل الركبة.
لم تكن الإصابة وحدها ما أثقل أحمد؛ فقد جاءت في وقت كانت المستشفيات تعاني ظروفًا صحية وإنسانية بالغة الصعوبة، ما جعل رحلة العلاج أكثر قسوة وتعقيدًا.
وبينما كانت الأسرة تحاول استيعاب إصابة أحمد والتكيف معها، لم يمهلها القصف طويلًا.
في ديسمبر/كانون الأول، خرج محمد برفقة خمسة من أبناء عمومته لجلب الطحين لعائلاتهم، كان الخروج في ذلك الوقت يعني المخاطرة بالحياة من أجل تأمين أبسط مقومات المعيشة.
تعرضوا للقصف، فاستشهد أبناء عمومته الخمسة، في حين أصيب محمد إصابة بالغة. تناثرت الشظايا في أنحاء جسده، وأصيب في صدره وساقه، كما أدى القصف إلى إصابة خطيرة في قدمه.
وعندما وصل الخبر إلى والدته، لم تكن تفكر إلا في حجم الألم الذي يعيشه ابنها، خصوصًا بعدما عاشت قبل أسابيع تجربة إصابة أحمد وبتر ساقه.
وتضيف: "لما أخبروني بمكان القصف ووضع قدمه، قالوا لي إن احتمال بترها وارد، من شدة ما رأيت أحمد يتعذب قلت لهم: سيبوه يموت ولا تقطعوا رجله".
لكن الأطباء تمكنوا من إنقاذ ساق محمد دون بترها، ومع ذلك، لم تنتهِ معاناته؛ فقد بقي فترة طويلة يتلقى العلاج، ولا يزال جسده يطرد بين حين وآخر شظايا خلفها القصف.
وهكذا، تحولت الأسرة خلال أسابيع قليلة من بيت يعتمد على شابين في تحمل مسؤولياته إلى أسرة لديها شابان مصابان بإصابات بالغة، يحتاجان إلى الرعاية، في حين يعاني الأب والأم أمراضًا تمنعهما من العمل.
أما أحمد، فيحاول اليوم أن يتعلم كيف يعيش مجددًا بعد فقدان ساقه، رُكّب له طرف صناعي، لكنه ثقيل عليه، وتسبب في تفاقم مشكلات ظهره التي يعانيها منذ ولادته.
فواقع الأسرة اليوم لم يتوقف عند حدود الإصابة؛ فقد امتدت آثارها إلى الحياة اليومية بأكملها، فالشاب الذي كان يعمل رغم إعاقته الخلقية ويعيل أسرته، بات مضطرًا إلى البحث عن طريقة جديدة للتكيف مع جسد تغير بفعل الحرب.
وفي الطرف الآخر من المأساة، يحاول محمد التعايش مع إصاباته والشظايا التي لا تزال تذكره بما حدث، في حين تحمل والدته في ذاكرتها مشهد اليوم الذي تفرقت فيه الأسرة تحت القصف، ثم عادت لتجد أبناءها وقد حمل كل واحد منهم جرحًا جديدًا.
اليوم، تعيش عائلة الشرباصي في خيمة بالقرب من مقبرة الغصين، في ظروف معيشية قاسية، بعدما فقدت الاستقرار الذي كانت تحاول الحفاظ عليه بالرغم من مرض الأب والأم.
لم يعد السؤال في بيتهم فقط عن كيفية توفير الطعام والاحتياجات اليومية، بل أصبح أيضًا عن كيفية رعاية شابين كانا بالأمس سند الأسرة، وأصبحا اليوم بحاجة إلى من يسندهما.