أكد رئيس مجلس إدارة مرصد العالم العربي للديمقراطية والانتخابات د. طالب عوض، أن الانتخابات الفلسطينية المقبلة "تمثل فرصة حقيقية ونادرة لإعادة بناء النظام السياسي وتجديد شرعيته"، بعد سنوات طويلة من الجمود وتعطل الاستحقاقات الانتخابية، لكنه يشدد في الوقت ذاته على أن نجاحها يتطلب توافقا وطنيا واسعا يضمن مشاركة مختلف القوى والفصائل ومؤسسات المجتمع المدني.
وأوضح عوض، الخبير الإقليمي في شؤون الانتخابات، في حوار مع صحيفة "فلسطين" أمس أن الانتخابات التشريعية المقرر إجراؤها في الثامن والعشرين من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل تأتي في ظروف فلسطينية استثنائية، ولا سيما في وجود الدمار الواسع الذي خلفته الحرب في قطاع غزة، والتحديات المرتبطة بمشاركة القدس، لكنه يرى أن هذه الظروف لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة جديدة لتعطيل الاستحقاق الانتخابي.
وقال: إن "الانتخابات يمكن أن تكون بداية لمعالجة العديد من القضايا العالقة"، ولا سيما أن النظام السياسي الفلسطيني يعيش حالة من الجمود منذ أكثر من 20 عاما، عادًّا أن تجديد الشرعية الشعبية يمكن أن يشكل مدخلًا لإعادة ترتيب المشهد السياسي الفلسطيني.
توافق وطني
ويضع عوض التوافق الوطني في مقدمة الشروط اللازمة لنجاح الانتخابات، مؤكدا أن الأمر لا يتعلق فقط بإجراء عملية التصويت، وإنما بتوفير بيئة سياسية تضمن قبول جميع الأطراف بنتائجها واحترامها.
ويشير إلى ضرورة أن يشمل التوافق القوائم الانتخابية وآليات الترشح، إلى جانب عقد اجتماع يضم مختلف القوى والفصائل للإشراف على تنفيذ ميثاق الشرف الذي تم التوافق عليه عام 2021، والعمل على توسيع المشاركة فيه ليشمل جميع الفصائل الموقعة عليه، فضلا عن ممثلين عن مختلف الفئات والمكونات الاجتماعية.
ويرى أن نجاح الانتخابات في إحداث توافق وطني يتطلب "قرارا سياديا"، إلى جانب توافق مبدئي على تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد الانتخابات، باعتبار أن الاستحقاق الانتخابي لا ينبغي أن ينتهي بمجرد إعلان النتائج، وإنما يجب أن يشكل مدخلا لإعادة بناء المؤسسات السياسية على قاعدة وحدة الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة، بما في ذلك القدس.
ولا يقلل عوض من حجم التحديات التي تحيط بالانتخابات المقبلة، لكنه يرى أن وجود توافق حالي على إجرائها يمثل مؤشرا مهما على إمكانية المضي بها.
ويوضح أن لجنة الانتخابات المركزية هي الجهة التي تتولى تنظيم العملية الانتخابية، وأن ذلك يعني أن جميع المواطنين الفلسطينيين سيكون لهم الحق في المشاركة، بغض النظر عن مكان وجودهم، من خلال مراكز اقتراع قريبة منهم.
ويؤكد أن المشاركة الانتخابية لا تقتصر على التصويت، وإنما تشمل أيضا الترشح، مشيرا إلى أن القوائم المختلفة تستطيع اعتماد مرشحين عن القدس في مواقع متقدمة على قوائمها، بما يؤكد حضور المدينة في العملية الانتخابية.
ويضيف أن هناك إمكانية لحصول القوائم الانتخابية على تواقيع من القدس، وهو ما يمكن أن يعزز مشاركة المقدسيين في العملية الانتخابية ويمنح المدينة حضورا سياسيا يتجاوز مجرد المشاركة في الاقتراع.
غزة.. الاقتراع من قلب الدمار
ويشكل قطاع غزة أحد أبرز التحديات اللوجستية أمام الانتخابات المقبلة، في وجود الدمار الواسع والنزوح وتضرر البنية التحتية، إلا أن عوض يوضح أن هناك ترتيبات انتخابية مختلفة يمكن أن تسمح لسكان القطاع بالمشاركة.
ويقول: إن "التحدي الكبير يتعلق بآلية مشاركة الناخبين"، موضحا أن الانتخابات في غزة ستعتمد على السجل المدني وليس على سجل الناخبين.
وبحسب عوض، فإن هذه الآلية ستتيح لكل مواطن في قطاع غزة التصويت في أي موقع يختاره من مواقع الاقتراع التي سيتم الإعلان عنها، مشيرا إلى أن التحضيرات لهذه المواقع بدأت بالفعل.
وسيتمكن المواطن في غزة، وفقا لعوض، من التصويت مباشرة باستخدام الهوية، وهو ما يفرض في المقابل الحاجة إلى وضع آليات دقيقة تضمن سلامة العملية ومنع تكرار التصويت.
ولا يرى عوض أن الظروف الاستثنائية في غزة ينبغي أن تؤدي إلى تعطيل الانتخابات، لكنه يشدد على أهمية التواصل والتوافق بين مختلف الأطراف من أجل حماية العملية الانتخابية، داعيا إلى مشاركة القوى والفصائل ومؤسسات المجتمع المدني في التحضيرات والمشاورات المتعلقة بالاستحقاق.
القدس.. حضور يتجاوز حق التصويت
وتحتل القدس موقعا مركزيا في رؤية عوض للانتخابات المقبلة، إذ يؤكد أن إجراء انتخابات فلسطينية من دون القدس "أمر غير ممكن".
ويوضح أن مشاركة المقدسيين في الانتخابات تستند إلى ترتيبات قائمة منذ اتفاق أوسلو عام 1995، بالرغم من أنها لم تكن تلبي الطموحات الفلسطينية الكاملة.
ويشير إلى أن جميع الفلسطينيين الحاملين للهوية المقدسية يعدون قانونيا ناخبين في سجل لجنة الانتخابات المركزية، في حين يقدر عدد من يحق لهم الاقتراع داخل مدينة القدس بما يتراوح بين 180 و200 ألف مواطن.
ويستحضر عوض تجربة انتخابات عام 2006، التي شارك فيها نحو 40 ألف ناخب مقدسي، لافتا إلى أن التحدي الحالي لا يتعلق فقط بتمكين المقدسيين من الوصول إلى صناديق الاقتراع، وإنما بضمان حضورهم السياسي داخل المجلس التشريعي المقبل.
ويرى أن النظام الانتخابي الجديد، الذي يعتمد اعتبار الأراضي الفلسطينية دائرة انتخابية واحدة، يفرض على القوائم الانتخابية مسؤولية ضمان تمثيل حقيقي للمقدسيين في مواقع متقدمة داخل القوائم، إلى جانب إشراكهم في التزكيات المطلوبة لتسجيل القوائم.
ويشدد على أن "القضية الأساسية لم تعد تقتصر على تمكين المقدسيين من التصويت، بل تمتد إلى ضمان حضورهم الفاعل داخل المجلس التشريعي المقبل"، معتبرا أن الانتخابات المقبلة ستكون "معركة القدس" بامتياز.
أكثر من 20 عاما على آخر انتخابات
ويأتي الاستحقاق الانتخابي المقبل بعد انقطاع طويل عن الانتخابات التشريعية، وهو ما يراه عوض أحد أبرز أوجه أهميته السياسية.
ويشير إلى أن الانتخابات المقررة في 28 نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل تمثل استكمالا للموعد الذي كان متفقا عليه سابقا لإجراء الانتخابات في بداية الشهر ذاته، موضحا أن صدور المرسوم الرئاسي يعني اكتمال المنظومة القانونية الناظمة للعملية الانتخابية.
وبموجب ذلك، تتجه الأنظار إلى لجنة الانتخابات المركزية لإعلان الجدول الزمني الذي يشمل مراحل الترشح والدعاية والإجراءات التنفيذية وصولا إلى يوم الاقتراع.
ويؤكد عوض أن الانتخابات المقبلة تختلف عن الاستحقاقات السابقة، خصوصا أن أكثر من 20 عاما مرت على آخر انتخابات للمجلس التشريعي، ما يعني أن جيلا كاملا من الفلسطينيين سيشارك للمرة الأولى في عملية انتخابية تشريعية.
ويقدر أن أكثر من 55% من الناخبين سيكونون من هذه الفئة، في حين يبلغ عدد المسجلين حاليا في الضفة الغربية وقطاع غزة، بما فيها القدس، نحو 2.6 مليون ناخب، مع توقع ارتفاع العدد إلى قرابة 2.9 مليون.
ويرجح أن تصل نسبة المشاركة إلى نحو مليوني ناخب إذا شاركت جميع القوى والفعاليات السياسية، معتبرا أن الأشهر الثلاثة المقبلة ستكون حاسمة وتتطلب جهودا مكثفة من الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني ووسائل الإعلام لإنجاح العملية الانتخابية.
ويشير عوض إلى أن تعديل قانون الانتخابات وخفض نسبة الحسم إلى 1% يمثلان تغييرا مهما في قواعد المنافسة الانتخابية، إذ يفتح ذلك المجال أمام القوائم التي تحصل على ما يعادل مقعدين في المجلس التشريعي المؤلف من 200 عضو للفوز بالتمثيل.
ويرى أن هذا التعديل يمكن أن يوسع مساحة التمثيل أمام القوائم والقوى السياسية المختلفة، لكنه في الوقت ذاته يضع أمام الأحزاب والقوى السياسية مسؤولية الاستعداد المبكر للانتخابات وتشكيل قوائم قادرة على استقطاب الناخبين.
كما يشير إلى أن القانون عزز تمثيل المرأة وخفض سن الترشح للشباب، معربا عن أمله بأن تخصص القوائم الانتخابية ما لا يقل عن ربع مرشحيها لفئة الشباب دون الخامسة والثلاثين، بما يعزز حضور هذه الفئة في الحياة السياسية الفلسطينية.
هل تتكرر تجربة التأجيل؟
وعلى الرغم من أن الانتخابات الفلسطينية شهدت سابقا إعلان مواعيد لم تتحول إلى اقتراع فعلي، يرى عوض أن المؤشرات الحالية تعزز فرص إجرائها هذه المرة.
ويشير إلى أن المرسوم الحالي هو "الثالث" بعد مرسومي عامي 2009 و2021 اللذين لم يفضيا إلى إجراء الانتخابات، لكنه يعتقد أن الاستحقاق الحالي يختلف عن التجارب السابقة، لأن مختلف القوى باتت تؤكد أهمية المضي في العملية.
ويعد أن الانتخابات ليست مبكرة، وإنما استحقاق دستوري وقانوني تأخر تنفيذه منذ عام 2010، أي لأكثر من ستة عشر عاما.
وفي هذا السياق، يرفض عوض التعامل مع القضايا السياسية والمرحلية الأخرى باعتبارها شروطا سابقة لتعطيل الانتخابات، داعيا إلى ترك القضايا الخلافية للحوار السياسي وعدم وضعها جميعا على طاولة الاستحقاق الانتخابي.
ويقول: "إذا أجلنا الانتخابات في هذه المرحلة، أعتقد أن ذلك سيكون جزءا من الإشكال القائم، ولذلك من المهم المضي في إجراء الانتخابات".
الانتخابات والحكومة المرتقبة في غزة
وتتداخل الانتخابات المقبلة مع الطروحات المتعلقة بمستقبل قطاع غزة وترتيبات إدارته، وهو ما يفتح سؤالا عن طبيعة العلاقة بين الحكومة الفلسطينية المقبلة وأي ترتيبات دولية أو إقليمية للقطاع.
ويرى عوض أن الانتخابات ستؤدي إلى وجود شرعية موحدة للشعب الفلسطيني، وأن تشكيل الحكومة الفلسطينية الجديدة والتوافق عليها سيكونان عاملين أساسيين في التعامل مع القضايا المتعلقة بغزة.
ويشير إلى أن ما يعرف بـ"مجلس السلام"، بحسب ما هو مطروح، لديه مدة زمنية للعمل تمتد حتى نهاية عام 2027، عادًّا أن وجود قرار دولي وتوافق مع الحكومة الفلسطينية الجديدة يمكن أن يفتح المجال أمام التوافق على آليات التعامل مع هذه المرحلة.
ويشدد في الوقت ذاته على ضرورة عدم تحويل هذه القضايا إلى عائق أمام الانتخابات، قائلا إن "هذه القضايا يمكن تركها للحوار مستقبلا"، لأن وضعها جميعا على طاولة الانتخابات في الوقت الحالي قد يؤدي إلى تعطيل العملية.
التشريعي والوطني.. إعادة وصل المؤسسات
ولا تقتصر أهمية الانتخابات المقبلة، وفقا لعوض، على انتخاب أعضاء المجلس التشريعي، بل تمتد إلى إعادة ترتيب العلاقة بين المؤسسات الفلسطينية.
وفيما يتعلق بانتخابات المجلس الوطني، يوضح أن أعضاء المجلس التشريعي المنتخبين يصبحون بحكم القانون أعضاء في المجلس الوطني الفلسطيني، وهو ما يمنح الانتخابات التشريعية بعدا يتجاوز تشكيل السلطة التشريعية إلى إعادة بناء التمثيل الوطني.
ويشدد عوض على أهمية المشاركة الواسعة، ولا سيما من الشباب والنساء، باعتبارهما من الفئات التي ينبغي أن يكون لها حضور أكبر في المؤسسات السياسية الفلسطينية.
أما الانتخابات الرئاسية، فيرى عوض أن إجراءها يجب ألا يبقى منفصلا عن المسار التشريعي، موضحا أن مؤسسات المجتمع المدني كانت تفضل إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بالتزامن أو بمرسوم واحد.
وبما أن تحديد الانتخابات الرئاسية جرى ضمن الربع الأول من عام 2027، يرجح عوض أن تكون نهاية شهر مارس/آذار المقبل الموعد الأكثر احتمالا لإجرائها.
ودعا إلى إصدار مرسوم خاص بالانتخابات الرئاسية خلال شهري سبتمبر/أيلول أو أكتوبر/تشرين الأول، وعدم الانتظار إلى ما بعد انتهاء الانتخابات التشريعية، تأكيدا على ترابط الاستحقاقين قانونيا وسياسيا.
وفي المحصلة، يراهن عوض على أن الانتخابات المقبلة يمكن أن تشكل نقطة تحول في الحياة السياسية الفلسطينية، ليس فقط باعتبارها استحقاقا قانونيا تأخر لسنوات، وإنما باعتبارها فرصة لإعادة تجديد الشرعية وفتح الباب أمام مرحلة سياسية جديدة.
ويرى أن الظروف الحالية، على صعوبتها، تختلف عن السنوات السابقة، وأن المجتمع الفلسطيني بمختلف قواه السياسية والمجتمعية بات أكثر تمسكا بإنجاز الاستحقاق، ولا سيما في وجود جيل كامل من الشباب لم تتح له فرصة المشاركة في أي انتخابات تشريعية أو رئاسية.