فلسطين أون لاين

دفن الاحتلال رسوماتها تحت أنقاض منزلها

"الفنانة الصغيرة".. حلا عزام ترسم مأساة الطفولة في خيام غزة

...
حلا عزام
غزة/ نبيل سنونو:

تُقلِّب حلا عزام (17 عاما) صفحات دفتر متواضع في خيمة نزوحها القسري بحي الزيتون شرق مدينة غزة، وتتأمل رسومات خطتها على مدار نحو ثلاث سنوات من حرب الإبادة، بعدما دفنت أنقاض منزلها كثيرا من طفولتها ورسوماتها الأولى.

تبدلت حال حلا منذ أن نزحت عائلتها قسرا في بداية الحرب من منزل كانت قد شيدته حديثا، لتبدأ رحلة معاناة ممتدة ويستقر بها الحال في خيمة. هناك، تفتقر إلى أدواتها ورسوماتها السابقة، ولم يعد يربطها بها سوى الذكريات.

في مساحة الخيمة التي لا تتجاوز أربعة مترات، تواجه حلا واقعا مثقلا بهموم تلازمها منذ أن بدأ الاحتلال الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023. تعود بذاكرتها إلى ما قبل هذا التاريخ، قائلة لصحيفة "فلسطين": "كنت أعيش في بيت لا ينقصنا فيه شيء".

لوهلة، تخيلت كما لو أنها لا تزال آمنة في غرفتها، تكتب وترسم، لكن سرعان ما اصطدمت بالواقع عندما تصببت عرقا في الخيمة. تثور كلمات حلا في التعبير عن مأساتها: "كل صيف نحترق وكل شتاء نغرق. وفي الصيف تغزونا القوارض والكلاب والحشرات".

WhatsApp Image 2026-09-13 at 11.39.04 AM.jpeg
 

وفيما ينطبق عليه المثل الشعبي "شر البلية ما يضحك"، تبتسم حلا قائلة: "نجد القوارض وقد نهشت طعامنا ودقيقنا... تغيرت الحياة بعد الحرب عما كنا نعيشه قبلها".

ونزحت حلا مع أسرتها خمس مرات خلال الحرب المستمرة. وتتكون الأسرة من ثمانية أفراد، يبلغ أصغرهم ثلاثة أعوام.

يشدها الحنين إلى ماض ذهب ولم يعد: "كنت أرسم أشياء فخمة جدا". تطلق العنان لذاكرتها: "رسمت الأنيمي، والورود، وأوراق الشجر". لكنها اليوم تجسد في رسوماتها الفتيات الحزينات اللواتي يتمنين أن يعشن حياة كريمة، وتحاول التعبير عما يدور داخلهن عبر الرسم.

تتوسط والديها الذين يستمعان إلى كلماتها بأسى، وتشير إلى إحدى رسوماتها، قائلة: "هذه فتاة حزينة تبكي. تتمنى أن تغادر الخيمة، وأن تحظى بمستقبل أفضل، وأن تنجح في حياتها".

ومع حشر الاحتلال أكثر من مليوني غزي في نحو 30% فقط من مساحة القطاع البالغة 365 كيلومترا مربعا، تحت النار، تعكس إحدى رسومات حلا الضيق الذي يعانيه الأهالي، وتجسد فيها مشهدا للبحر والطبيعة، التي تتمنى أن تستمتع بجمالهما، "لكن للأسف، نخشى الذهاب إلى البحر"، تقول حلا.

وفي واحدة من أكثر رسوماتها حدة، تظهر سكاكين. تشرح حلا معانيها: "هذه السكاكين توحي بغدر الاحتلال لنا. نحن نعيش مأساة كبيرة".

في صفحة أخرى، رسمت حلا مرآة مكسورة، تعبر فيها عن أن كل ما يحيط بها يدعوها إلى الحزن. كما رسمت وجها حزينا يعبر عن فتاة "تتمنى العودة للحرية والحياة"، وأخرى تصرخ وتريد حقها في العيش الكريم.

ومن حولها، تهزها حكايات الأطفال وتنعكس في رسوماتها... من الفقد، إلى الركض وراء مقومات العيش، وتعبئة المياه، وتدبير الطعام من التكايا، وصولا إلى اضطرار بعضهم للعمل في مهن شاقة مقابل بضعة شواقل.

رسومات مدفونة

تتحسر حلا على رسومات خمسة أعوام قبل الحرب، جسدت فيها معاني الطفولة والحياة، لكنها باتت تحت أنقاض منزلها، لتبدو كورق بال. ومع ذلك لا تزال حية في داخلها.

تلك الرسومات، كانت حلا تطمح إلى مشاركتها في معارض عالمية لإيصال صوت شعبها، لا أن يدفنها الاحتلال. بكلمات بريئة، تعبر عن ألمها: "نزلت الدار، وراحت كل الرسومات، وكل أحلامي تحطمت مع أدواتي".

تواجه حلا اليوم معيقات لا تنفصل عن واقع الحياة المعقد في غزة تحت الحرب، فهي لا تملك أدوات الرسم من دفاتر وأوراق وألوان وغير ذلك، مشيرة إلى أن بإمكانها إعداد رسومات أفضل لو توفرت لها تلك المستلزمات.

لهذا، تؤكد حلا أن التدمير في غزة لم يكن للمباني فقط، وإنما يعمد الاحتلال إلى قتل الشغف والطموح والرغبة في الحياة، مضيفة: "كنت أنمي موهبتي، لكن أشياء كثيرة ذهبت. تمنيت أن أصبح رسامة كبيرة ومشهورة، وأن تكون معداتي بحوزتي، لكن للأسف الاحتلال لم يترك لنا مجالا".

WhatsApp Image 2026-09-13 at 11.39.05 AM (2).jpeg
 

وعلميا، انقطعت حلا قسرا عن التعليم مع ظروف الحرب. وكان آخر معدل حصلت عليه 91%. واليوم يفترض أن تلتحق بالثانوية العامة لكنها تواجه عقبات أيضا.

"بابا متعطل عن العمل، ولا يستطيع توفير الكتب ولا القرطاسية ولا الإضاءة ولا مستلزمات الدراسة. أيضا، لا تتوفر إمكانات تسجيلي في مراكز تعليمية"، تشرح حلا معاناة تتشاركها مع أطفال غزة.

تمسك الفتاة قلمها وتفتح صفحة جديدة من دفترها، لترسم مشهدا جديدا، قائلة: "رغم ذلك، سأكمل الطريق ولن أستسلم، مستمرة في تنمية موهبتي والسعي وراء طموحي... من أبسط الأشياء سنحقق أشياء كبيرة".

المصدر / فلسطين أون لاين