كان عبد الرحيم الحية يعرف أن ارتداء زي الشرطة في غزة خلال الحرب لم يعد يعني مجرد أداء مهمة أمنية، بل يعني أن يخرج إلى الشارع في الوقت الذي يبحث فيه الآخرون عن مكان أكثر أمانًا، وأن يتحرك بين القصف والركام لتأمين الناس ومساعدة من يحتاجون إليه.
منذ اليوم الأول للحرب، لم يترك عبد الرحيم موقعه حيث كان ضابطًا في التدخل وحفظ النظام في جهاز الشرطة، ومع كل حدث أمني أو مهمة تتطلب وجود الشرطة، كان ينزل إلى الميدان حتى حين يشتد القصف.
زوجته ورفيقة دربه أمل الحية تقول: "من أول يوم حرب كان قائم على رأس عمله، ولم يتخل عن واجبه ليوم واحد، وكان يذهب لمساعدة المواطنين وحمايتهم في ذروة القصف".
لم تكن هذه العلاقة بالعمل جديدة، فمنذ عام 2006، بدأ عبد الرحيم عمله ضمن صفوف القوة التنفيذية، وكان يومها في الثامنة عشرة من عمره تقريبًا، قبل أن يستمر في العمل الأمني ويصبح لاحقًا ضابطًا في دائرة التدخل وحفظ النظام.
وتوضح أمل لصحيفة "فلسطين"، أن عمله ظل حاضرًا في حياته حتى داخل البيت، وقد اعتادت على أن أي اتصال قد يعني أن هناك مهمة جديدة تنتظره.
كان عبد الرحيم، بحسب زوجته، يرى أن وجوده في الشارع خلال الحرب ضرورة، خصوصًا في الأماكن التي كانت تحتاج إلى تأمين شاحنات المساعدات الإغاثية وتنظيم حركة الناس.
ومن بين المهام التي كان يؤديها تأمين المساعدات في منطقة مؤن الشاطئ، وكان يصل من الشجاعية إلى تلك المناطق سيرًا على الأقدام، وسط القصف، مرتديًا زي الشرطة وحاملًا سلاحه.
لم تكن الطريق وحدها مصدر الخطر، فعبد الرحيم كان قد تعرض سابقًا لإصابة خلال معركة الفرقان عام 2008، حين كان في مواجهة مع قوات جيش الاحتلال، كما تعرض لاحقًا، وفق رواية زوجته، لمحاولات استهداف عدة نجا منها، لكن كل مرة كان يعود فيها إلى عمله.
بين الشمال والجنوب
ومع اتساع حرب الإبادة، وجدت عائلة عبد الرحيم نفسها أمام قرار النزوح، غادرت أمل وأطفالها مع عائلة زوجها إلى جنوب القطاع، بينما بقي هو في شمال غزة.
لم يكن انتقاله إلى الجنوب أمرًا سهلًا، إذ كانت تخشى الأسرة من أن يتعرف عليه جنود الاحتلال عند الحواجز العسكرية بسبب عمله وإصابته السابقة، ولذلك بقي في الشمال، فيما حملت أمل مسؤولية الأطفال بعيدًا عنه.
قبل نزوحها، كان عبد الرحيم حريصًا على تأمين أسرته قدر الإمكان، ثم بدأت حياة مختلفة للزوجين؛ هو في الشمال، وهي في الجنوب.
كانت المسافة بينهما طويلة، لكن الهاتف بقي وسيلتهما الوحيدة للاطمئنان، كان عبد الرحيم يتابع تفاصيل حياتهم، ويسأل عن الأطفال، ويعرف ما يحتاجونه، بل ويخطط لما سيفعله حين تنتهي الحرب ويعودون.
تقول أمل: "كان كل يوم يتصل علينا وينتظر رجعتنا، كان يشتاق لنا كثيرًا، ويشتري أغراض من طعام وملابس وأدوات مطبخ، ويخطط كيف يستقبلنا عندما نرجع".
كان أبًا حاضرًا رغم غيابه الجغرافي، يسأل عن الطعام، وعن الأطفال، وعن احتياجات البيت، ويشتري الأشياء التي يريد أن يجدها أبناؤه عندما يعودون.
تقول أمل: إن عبد الرحيم كان يتحدث كثيرًا مع ابنه يامن، ويعده بألعاب وملابس وأغراض كان قد اشتراها له.
وتضيف: "كان نفسه يشوف ابنه البكر مالك وهو كبير، وفرح لما عرف إن ابنته الوحيدة ملك اتحجبت، وكان نفسه يشوفها".
تلك التفاصيل كانت تبدو في حينها عادية، لكنها بعد استشهاده تحولت إلى ذاكرة ثقيلة، فقبل استشهاده بنحو أسبوعين، لاحظت أمل تغيرًا في حديث زوجها، أصبح أكثر حرصًا على تكرار وصاياه.
تقول: "آخر فترة قبل ما يستشهد بأسبوعين، كان دائمًا يوصيني على الأولاد، ويقلي: ديري بالك على حالك وعليهم".
وتشير إلى أنه أصبح أقل استخدامًا للهاتف، وهو أمر لم تفهم أمل معناه وقتها، وكان عبد الرحيم يتحدث عن الموت والشهادة، لكنه كان في الوقت نفسه يخشى الأسر، وتقول زوجته إن هذا الخوف كان من أكثر الأمور التي كان يذكرها.
طريقة الشهادة
وتروي أمل حديثًا دار بينهما عن الطريقة التي يتمنى الموت بها، فقال لها ذات مرة: إن صاروخًا من طائرة مسيّرة قد يجعل من الصعب التعرف إليه.
وتوضح: "كان يحكي: صاروخ زنانة يفتفتني علشان ما حدا يعرفني، كنت أقله: ليش هيك بتتمنى بالذات؟ يقلي: كل قطعة من جسمي هتشفعلي".
لم تكن أمل تريد سماع هذه الكلمات، وكانت تحاول أن تُناقشه وتبعد الحديث عن الموت، لكنها لم تكن تعلم أن حديثه سيصبح بعد أسابيع جزءًا من قصة نهايته.
في يونيو/ حزيران 2024، كان عبد الرحيم يؤدي مهمته في منطقة مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، وكان موعد انتهاء دوامه قد اقترب، وكان متوضئًا وجالسًا، بحسب زوجته، حين قصته طائرات الاحتلال الإسرائيلي بشكل مباشر.
انتهت حياة الشرطي الذي لم يفارق الميدان وسط القصف، لكن بالنسبة لعائلته، لم تكن المأساة في فقدانه وحده، فالحرب حرمتهم أيضًا من أبسط حقوق الوداع.
تقول أمل: إن "خبر استشهاده وصل إلينا وسط صدمة كبيرة، ولم نستطع في البداية تصديقه، احتسبته عند الله شهيدًا، بينما دخل أطفالي في حالة من الانهيار".
"الأولاد دائمًا يسألون: كيف راح بابا؟ يامن يحكي: هاتي نكلمه على الجوال بالجنة. كيف هنقدر نعيش بدونه؟ كيف مش راح نشوفه، خلص".
جثمان غائب
وبعد استشهاد عبد الرحيم، لم تحظَ العائلة على فرصة طبيعية لدفنه ووداعه، وقد ووري الثرى في مقبرة التوانسي بحي الشجاعية، شرقي مدينة غزة. وبعد ثلاثة أيام، دخل جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى الحي، ونبش المقبرة، في حين لم تتمكن العائلة من الوصول إلى المقبرة بفعل وجود قوات جيش الاحتلال.
وكانت أمل تتمنى شيئًا بسيطًا؛ أن يكون لزوجها قبر تستطيع أن تذهب إليه مع أطفالها لكن هذا الحلم صارت محرومة منه.
وعندما عادت أمل إلى البيت بعد وقف إطلاق النار في يناير/ كانون الثاني 2025، كانت الحرب قد تركت لها شيئًا أشد قسوة من الخراب. وجدت الأشياء التي كان عبد الرحيم قد اشتراها استعدادًا لعودة أسرته؛ ملابسه وفراشه والأغراض التي وضعها في البيت، ووجدت آثار يديه في تفاصيل لم تكن تعتقد أنها ستصبح يومًا ذكريات مؤلمة إلى هذا الحد.
ثم تتوقف عند تفصيل صغير بقي في ذاكرتها: "كان قد عبأ جرادل وبراميل المياه، ووضع في الثلاجة قوارير المياه الصالحة للشرب".
كان عبد الرحيم يجهز البيت لعائلته، دون أن يعرف أن الأشياء التي تركها وراءه ستصبح بعد موته جزءًا من حياة أرملته وأطفاله.
لكن البيت نفسه لم يبقَ، ففي نزوح لاحق، هُدم المنزل، وضاعت معه أشياء كثيرة من الذكريات.
تقول أمل: "لما نزحنا المرة الثانية ندمت إني ما أخذت اشي من ريحته، أو أغراض بسيطة جدًا، لأنه بعدها البيت والذكريات راحت، انهدم البيت"، وهكذا لم تفقد أمل زوجها فقط، بل فقدت المكان الذي كان يحمل بقايا حضوره أيضًا".
وسط هذا الغياب، يظهر عبد الرحيم في أحلام زوجته، تراه يقترب منها كما كان يفعل في حياته، يطمئن عليها وعلى الأطفال، ويخفف عنها الخوف.
"كتير بيجيني بالحلم، بعطيني أو بطعمينا أنا والأولاد، لما يجيني بالحلم يطبطب عليّ ويقلي: ما تخافي، أنا دائمًا معك، وبالذات لما أكون زعلانة بالحلم يقويني ويوصيني على الأولاد".
لكن الصباح يعيدها إلى الحقيقة، حقيقة أنها أصبحت وحدها أمام مسؤولية الأطفال، وأن الرجل الذي كانت تستشيره في كل تفاصيل حياتها لم يعد موجودًا لتسأله.