☰
✕

قائمة الموقع

محمد الدرباشي.. قائد شرطي آثر مواصلة مهمته رغم إدراكه احتمال استهدافه

2026-09-30T11:26:00+03:00
العقيد الشهيد محمد إسماعيل الدرباشي، مدير مركز شرطة غرب خان يونس
فلسطين أون لاين

قبيل الساعة الواحدة ليلًا، كان العقيد محمد إسماعيل الدرباشي، مدير مركز شرطة غرب خان يونس، يتحدث عبر الهاتف من داخل منزله في حي البراق شمال غربي المدينة، حين أصاب المنزل صاروخ موجّه ومباشر، لينهي حياة رجل أمضى سنواته الأخيرة متنقلًا بين مركز الشرطة والميدان، حتى في أكثر لحظات الحرب خطرًا.

كان الدرباشي، المعروف بين زملائه باسم "أبو أحمد"، قد أخلى عائلته من المنزل قبل استهدافه، وفق شهادة مرافقة أحمد عبد العاطي، الذي يقول: إن العقيد كان يدرك أن بقاءه في المكان يجعله عرضة للاستهداف، لكنه اختار المضي في عمله.

استشهد الدرباشي، وفق رواية عبد العاطي، في أبريل/ نيسان 2025، بعد خرق جيش الاحتلال اتفاق وقف إطلاق النار الذي بدأ يوم 19 يناير/ كانون الثاني من العام ذاته، بعد مسيرة مهنية داخل جهاز الشرطة بدأت عام 2007، قبل أن يتدرج في مواقع عدة وصولًا إلى إدارة مركز شرطة غرب خان يونس عام 2022.

لكن قصة الدرباشي، كما يرويها من عرفوه من قرب، لا تختصر في منصبه أو رتبته العسكرية، بل في الدور الذي حاول أن يؤديه داخل مجتمع أنهكته الحرب، إذ تحولت الشرطة بالنسبة إليه إلى وسيلة لحماية الناس، واحتواء النزاعات والسلم الأهلي، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار في ظروف استثنائية.

من الشرطة إلى إدارة المركز

التحق الدرباشي بجهاز الشرطة عام 2007 ضمن قوات التدخل وحفظ النظام، وكان حاصلًا على شهادات جامعية، ومهتمًا بمجال التكنولوجيا، قبل أن يتولى لاحقًا إدارة العلاقات العامة على مستوى محافظة خان يونس.

وفي عام 2022، تولى إدارة مركز شرطة غرب خان يونس، وهو مركز كان بحاجة إلى تطوير بنيته وتجهيزاته.

ويقول عبد العاطي لصحيفة "فلسطين": إن الدرباشي عمل على إعادة هيكلة المركز، وطوّر دوريات وسيارات الشرطة، وجلب الاحتياجات اللازمة، كما أعاد ترميم المكاتب والنظارة، في محاولة لتحسين ظروف العمل داخل المركز.

لكن اهتمامه بالمركز لم يتوقف عند الجانب الإداري، إذ يقول عبد العاطي: إن مديره كان يتعامل مع الملفات الاجتماعية، ولا سيما الخلافات الأسرية، باعتبار أن الوصول إلى الحل القضائي أو الجنائي يجب أن يكون خيارًا أخيرًا.

الشرطة بوصفها بابًا للإصلاح

كان الدرباشي يلجأ، بحسب شهادة عبد العاطي، إلى لجان الإصلاح والمخاتير لمعالجة الخلافات الأسرية والمجتمعية، بهدف تجنيب الأطراف تفاقم النزاع والوصول إلى الطلاق أو الإجراءات الشرطية.

ويقدّر عبد العاطي أن نسبة نجاح هذه المساعي الودية كانت تتراوح بين 70 و80 بالمئة من المشكلات التي تعامل معها، وهي جهود يقول: إنها "كانت تتم بعيدًا عن أروقة الشرطة الرسمية".

وفي شهر رمضان، يتذكر عبد العاطي جانبًا آخر من شخصية مدير المركز؛ إذ كان يعمل على الاستعانة بأهل الخير لسداد ديون بعض الموقوفين والإفراج عنهم، ويقضي ساعات طويلة داخل المركز منذ الصباح وحتى موعد الإفطار.

ويقول: إن هذا الالتزام لم يكن حالة موسمية، بل نمطًا مستمرًا منذ توليه إدارة المركز وحتى استشهاده، إذ كان يخصص معظم وقته للعمل، ويعود إلى المركز بعد مغادرته المنزل لمتابعة شؤونه.

في قلب الخطر

مع دخول جيش الاحتلال الإسرائيلي إلى خان يونس ووصوله إلى محيط مجمع ناصر الطبي، تغيرت طبيعة العمل الشرطي، وأصبح الحفاظ على النظام وسط النزوح والخوف والقصف مهمة شديدة الصعوبة.

يضيف عبد العاطي، إنه كان برفقة الدرباشي في إحدى تلك المراحل، وكان يريد النزول إلى العمل الميداني، لكنه حاول منعه بسبب نقص الإمكانيات وخطورة الظروف.

وبحسب شهادته، برز اسم الدرباشي في تنظيم حركة النزوح والحفاظ على الحالة الأمنية في منطقة المواصي غربي خان يونس، حيث تجمعت أعداد كبيرة من النازحين هناك.

ويروي عبد العاطي أن الدرباشي لم يكن يكتفي بإدارة العمل من موقع بعيد، بل كان يصر على البقاء مع عناصره والشباب في الميدان، حتى عندما كانت المخاطر تطاول مقر الشرطة نفسه.

وفي إحدى المرات، وصل تحذير أمني باحتمال استهداف المقر، لكن الدرباشي، وفق الرواية، رفض المغادرة واستمر في أداء عمله.

كان بإمكانه، بحكم منصبه، أن يختار مكانًا أكثر أمانًا، إلا أنه، وفق عبد العاطي، كان يرى وجوده إلى جانب عناصره جزءًا من مسؤوليته.

رجل وراء الرتبة

خلف العقيد الذي أمضى معظم وقته في العمل، كانت هناك عائلة تنتظر عودته.

كان الدرباشي متزوجًا وله أربعة أبناء وبنت، وكان أصغر أبنائه، حمزة، يعاني من ضمور ويحتاج إلى رعاية وعلاج خاص، وهي مسؤولية كان عبد العاطي يتابع جانبًا منها.

ومع ذلك، يقول عبد العاطي: إن الدرباشي كان يضع معظم وقته في خدمة العمل، حتى إنه يقدّر أن أكثر من 85 بالمئة من وقته كان مخصصًا للشرطة.

كان يعود إلى منزله لفترة قصيرة، ثم يرجع إلى المركز لمتابعة الملفات، بينما ظل حضوره في الميدان مستمرًا خلال سنوات الحرب.

ويصفه عبد العاطي بأنه كان خلوقًا ومؤدبًا، شديد الالتزام بالصلاة والأذكار، وحريصًا على صيام النوافل، وهي تفاصيل بقيت حاضرة في ذاكرة زملائه إلى جانب صورته كرجل شرطة.

فراغ بعد الرحيل

بعد استشهاده، يقول عبد العاطي: إن غياب الدرباشي ترك فراغًا واضحًا بين زملائه، ليس فقط بسبب موقعه الإداري، وإنما لما كان يمثله من حضور قيادي وعلاقة أخوة.

ويتابع: إن معنويات زملائه تأثرت بصورة ملحوظة بعد رحيله، معتبرًا أن الدرباشي كان يجمع بين القدرة الإدارية والحضور الميداني والتعامل المباشر مع الناس.

وفي تفسيره لاستهداف رجال الشرطة خلال الحرب، يرى عبد العاطي أن وجودهم كان مرتبطًا بالحفاظ على الأمن المجتمعي ومنع الجريمة وتنظيم المجتمع في ظل ظروف الحرب والنزوح.

لكن بعيدًا عن الرتبة والمنصب، بقيت صورة أخرى للدرباشي في ذاكرة من عرفه؛ رجل كان يستطيع أن يبتعد عن الخطر، لكنه اختار البقاء قريبًا من عناصره والناس الذين تولى خدمتهم.

وفي تلك الليلة، حين كان يتحدث عبر الهاتف داخل منزله في حي البراق، كان يعلم، بحسب رواية مرافقة عبد العاطي، أن الاستهداف قد يأتي في أي لحظة بعدما أخرج عائلته من المكان، لكنه بقي هو فيه.

اخبار ذات صلة