في شمال قطاع غزة، حيث تتداخل آثار الدمار مع مشاهد النزوح والخوف، يواصل العداء مهند المدهون من بيت لاهيا تدريباته الرياضية في ظروف استثنائية، محاولا الحفاظ على لياقته البدنية ومواصلة مسيرته في ألعاب القوى، رغم غياب أبسط المقومات التي يحتاج إليها الرياضيون لممارسة نشاطهم.
ويفتقد الرياضيون في قطاع غزة، منذ اندلاع الحرب التي قاربت على ثلاثة أعوام، الملاعب والصالات والأندية والمساحات الآمنة التي تتيح لهم التدريب المنتظم.
وأدى تدمير معظم المرافق الرياضية إلى تعطيل النشاط الرياضي، وحوّل ممارسة الرياضة من نشاط يومي طبيعي إلى تحدٍ يواجهه اللاعبون بإمكانات محدودة ومخاطر متواصلة.
تحدي الظروف
من بين الركام، يظهر المدهون يهرول تارة ويجري تارة أخرى، ويمارس تمرينات تقوية العضلات في الهواء الطلق، مستفيدا من المساحات المتاحة بالقرب من منطقة وجود الاحتلال شمال قطاع غزة.
وفي كل مرة يخرج فيها للتدريب، يحاول أن يحافظ على استمراريته الرياضية، رغم الظروف الأمنية الصعبة التي تحيط به وبسائر الفلسطينيين في القطاع.
ويحمل العداء، الذي حقق مراكز متقدمة خلال مشاركاته في سباقات الماراثون وبطولات اتحاد ألعاب القوى، رسالة تتجاوز حدود المنافسة الرياضية.
ويسعى المدهون عبر تدريباته اليومية ومقاطع الفيديو التي ينشرها في صفحات التواصل الاجتماعي، إلى إيصال صورة الرياضي الفلسطيني الذي يتمسك بحقه في ممارسة الرياضة، ويصر على مواصلة الجري رغم الحرب والدمار.
وقبل نحو أسبوع، ظهر مهند في مقطع فيديو يوجه فيه التحية إلى ماليزيا بمناسبة ذكرى استقلالها، مستذكرا ماراثون الحرية الذي كان يُنظم في قطاع غزة قبل الحرب، ويشارك فيه مئات الشباب.
واستعاد العداء ذكريات تلك الفعاليات التي جمعت الرياضيين في أجواء تنافسية، معبرا عن أمله في أن تعود الرياضة إلى الحياة، وأن تُستأنف المسابقات في مختلف الألعاب داخل القطاع.
وسيلة للتعبير
ولا تقتصر محاولات المدهون على الحفاظ على مستواه البدني، بل تمثل أيضا وسيلة للتعبير عن تمسك الرياضيين الفلسطينيين بالحياة، ورفض اختزالهم في صور الحرب والدمار.
فالجري بالنسبة إليه ليس مجرد تمرين لرفع القدرة على التحمل، وإنما مساحة لإثبات الذات، والحفاظ على الحلم الرياضي، وتوجيه رسالة إلى العالم بأن غزة لا تزال تمتلك طاقات شابة تتطلع إلى العودة للمنافسة.
وفي هذه الظروف، يحاول عدد من الرياضيين استخدام الوسائل البسيطة المتاحة لمواصلة اللعب والتدريب، سواء عبر الجري في الشوارع أو ممارسة التمرينات البدنية في الساحات المفتوحة.
غير أن هذه المبادرات الفردية لا تستطيع أن تعوض غياب البنية التحتية الرياضية، أو توفر بيئة آمنة ومنتظمة تساعد اللاعبين على التطور والاستعداد للمشاركات المحلية والدولية.
ويحتاج الواقع الرياضي في قطاع غزة إلى فترات طويلة من الإعداد والتخطيط، إلى جانب جهود مؤسسية لمعالجة التحديات المتراكمة.
صعوبات كبيرة
وتواجه المؤسسات الرياضية صعوبة في توفير الملاعب والمعدات، في حين تصطدم محاولات إعادة تنشيط المسابقات بآثار الدمار ونقص الموارد، فضلا عن استمرار الظروف الإنسانية والأمنية القاسية.
وبحسب المعطيات المتداولة، بلغ عدد الملاعب والصالات والأندية الرياضية المدمرة 264 منشأة، في وقت تأوي فيه بعض المرافق التي بقيت قائمة عائلات نازحة، ما يضيف تحديا آخر أمام استعادة النشاط الرياضي، في ظل عدم توفر بدائل مناسبة وتدمير مناطق واسعة من القطاع.
وبينما ينتظر الرياضيون إعادة بناء منشآتهم وعودة المنافسات، يواصل مهند المدهون الركض على حافة الخوف، متمسكا بحذائه الرياضي وأمله في مستقبل تستعيد فيه غزة ملاعبها، ويعود شبابها إلى ممارسة الرياضة بعيدا عن أصوات الحرب.

