في وقت يواجه قطاع غزة تداعيات مستمرة لحرب إبادة إسرائيلية خلّفت دمارا كاملاً في القطاع الصحي، تحاول بعض الأطراف الإسرائيلية الدخول إلى القطاع من بوابة العمل الإنساني، عبر إنشاء عيادة للأطفال في المواصي.
وتثير الخطوة مخاوف فلسطينية من توظيف العمل الإغاثي أو الطبي في تبييض صورة الاحتلال ومنح (إسرائيل) مظهرا إنسانيا بعد قتل أكثر من 73 ألف إنسان في غزة معظمهم من الأطفال والنساء.
ويحذر مراقبون من أن تتحول معاناة أطفال غزة إلى منصة للعلاقات العامة الإسرائيلية، يظهر فيها الاحتلال في صورة "المنقذ"، في حين يجري تغييب السياق الذي أنتج الكارثة الإنسانية في غزة. لذلك يبرز رفض منح "ناتان" شرعية أو غطاء للعمل داخل القطاع، والمطالبة بتقديم المساعدات عبر مؤسسات فلسطينية ودولية مستقلة ومحايدة.
وفي 24 أغسطس 2026، أعلنت المنظمة دعم إنشاء عيادة طبية للأطفال داخل مشروع "قرية أطفال غزة" في منطقة المواصي جنوب القطاع، على أن تبدأ العمل في الأول من أيلول/ سبتمبر. وتقول المنظمة إن العيادة تستهدف تقديم الرعاية الصحية الأساسية لما يصل إلى نحو 10 آلاف طفل فلسطيني، بما يشمل الفحوصات الوقائية والتطعيمات وعلاج الأطفال المرضى، إلى جانب خدمات أخرى.
من المنظور الفلسطيني، لا تكمن الإشكالية في تقديم العلاج للأطفال، إذ إن الحاجة إلى الرعاية الطبية في غزة لا تحتمل التأجيل، وإنما في هوية الجهة التي تسعى إلى تقديم هذا العلاج، وفي طبيعة الحضور الذي يمكن أن ينشأ عن ذلك. فإقامة علاقات مباشرة أو غير مباشرة مع أطباء ومؤسسات وشركاء فلسطينيين، وتقديم خدمات صحية وتعليمية وإغاثية بصورة مستمرة، قد تفتح الباب أمام نمط جديد من الحضور الإسرائيلي داخل المجال المدني الفلسطيني، حتى لو لم يكن الوجود الإسرائيلي داخل العيادة مباشرا.
دلالات سياسية وإعلامية
وقال أستاذ الإعلام في جامعة أبو ديس أحمد رفيق عوض، لصحيفة "فلسطين" إن خطورة نشاط منظمة "ناتان" الإسرائيلية في قطاع غزة لا تنحصر في طبيعة الخدمات الطبية التي تعلن المنظمة تقديمها للأطفال، وإنما في الدلالة السياسية والإعلامية لحضور مؤسسة إسرائيلية داخل المجتمع الفلسطيني، في أعقاب حرب خلّفت دمارا واسعا في القطاع.
وأضاف عوض أن "المشكلة لا تكمن في أن طفلا فلسطينيا يحتاج إلى طبيب أو دواء، فهذا أمر لا يمكن لأي إنسان أن يعترض عليه، وإنما في الجهة التي تدخل إلى غزة تحت عنوان العلاج، وفي الرسالة التي يمكن أن يحملها هذا الدخول. نحن أمام منظمة إسرائيلية تعمل في قطاع تعرض خلال السنوات الماضية لدمار واسع في منظومته الصحية والمدنية، وبالتالي لا يمكن أن نتعامل مع حضورها باعتباره نشاطا إنسانيا منفصلا تماما عن السياق السياسي الذي جاءت منه".
وأوضح أن "(إسرائيل) تواجه اليوم صورة دولية شديدة السوء نتيجة ما شاهده العالم من قتل ودمار ونزوح ومعاناة إنسانية في قطاع غزة، ولذلك فإن ظهور مؤسسة إسرائيلية في صورة الطبيب الذي يقدم العلاج للطفل الفلسطيني يمكن أن يتحول إلى جزء من محاولة لإعادة صياغة هذه الصورة. نحن أمام انتقال من صورة القوة العسكرية إلى صورة المؤسسة الإنسانية، ومن صورة الطرف الذي يتحمل المسؤولية عن الحرب إلى صورة الطرف الذي يقدم المساعدة لضحاياها".
وتابع عوض: "الأخطر هو أن تتحول الحاجة الإنسانية الفلسطينية إلى مادة في العلاقات العامة الإسرائيلية. عندما يتم تصوير طفل فلسطيني يتلقى العلاج، يمكن أن تختفي خلف هذه الصورة أسئلة أكبر بكثير: كيف وصل هذا الطفل إلى هذه الحالة؟ ماذا حدث للمنظومة الصحية التي كان يفترض أن تعالجه؟ ومن المسؤول عن الدمار الذي أصاب المستشفيات والمنشآت الطبية؟ لا يجوز أن تستخدم صورة الطفل المريض لتغيير موقع الجاني والضحية في الوعي العالمي".
وأشار إلى أن تصريحات مسؤولة "ناتان" بشأن أهمية إظهار "أفعال التعاطف" للعالم تجعل المخاوف الفلسطينية أكثر جدية، قائلا: "عندما تتحدث قيادة المنظمة عن إظهار التعاطف أمام العالم، فهذا يعني أن البعد الاتصالي والإعلامي موجود إلى جانب البعد الإنساني. وبالتالي علينا أن نسأل: هل نحن أمام مساعدة إنسانية فقط، أم أمام مساعدة تحمل معها وظيفة سياسية وإعلامية تتمثل في تحسين صورة (إسرائيل)؟".
وحذر أستاذ الإعلام من أن "تبييض صورة الاحتلال لا يحدث بالضرورة من خلال إنكار الجرائم، وإنما يمكن أن يحدث عبر إنتاج صور بديلة عنها. صورة الطبيب، وصورة الدواء، وصورة الطفل الذي يتلقى العلاج، يمكن أن تستخدم لتقديم (إسرائيل) أمام العالم باعتبارها طرفا إنسانيا ومتسامحا (مزعوما)، بينما يجري في المقابل تغييب الصورة الأكبر للحرب والدمار. وهذا خطر حقيقي على الرواية الفلسطينية، لأن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، وإنما أيضا على تفسير ما حدث ومن يتحمل مسؤوليته".
وشدد عوض على ضرورة الحذر من التعامل مع المنظمة، قائلا: "يجب أن تكون هناك حالة وعي لدى العاملين في المجال الصحي والإغاثي والمؤسسات المحلية. لا يجوز أن يتحول الاحتياج إلى مدخل لقبول أي مؤسسة، أيا كانت هويتها أو أهدافها. يجب أن نعرف من يمول، ومن يدير، ومن يملك المعلومات، ومن يستطيع الوصول إلى بيانات المرضى، وكيف يمكن استخدام الصور والقصص الإنسانية التي تنتج عن هذا النشاط".
وأضاف: "نحن لا نقول للفلسطينيين اتركوا أطفالكم من دون علاج، ولا نقول ارفضوا الدواء. بالعكس، المطلوب هو توفير العلاج بصورة أكبر وأوسع، ولكن عبر مؤسسات لا تحمل هذا العبء السياسي. لدينا مؤسسات دولية يمكنها القيام بهذا الدور، ولدينا منظمة الصحة العالمية واليونيسف واللجنة الدولية للصليب الأحمر وأطباء بلا حدود والهلال الأحمر الفلسطيني، إضافة إلى مؤسسات طبية عربية ودولية يمكن تطوير دورها داخل القطاع".
وختم عوض بالقول: "المطلوب موقف فلسطيني واضح: نعم للعلاج، نعم للدواء، نعم للإغاثة، ولكن لا لتوظيف العمل الإنساني في تبييض جرائم الاحتلال أو إعادة تقديم دولة الاحتلال أمام العالم بزعم أنها دولة إنسانية. غزة لا تحتاج إلى من يلمع صورة من تسبب في معاناتها، وإنما تحتاج إلى حماية دولية وإعادة بناء منظومتها الصحية ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، وإلى مساعدة مستقلة تحفظ كرامة الفلسطينيين ولا تحول معاناتهم إلى مادة للدعاية".
تعزيز الحضور الإسرائيلي
من جهته، قال الخبير في الشؤون الإسرائيلية إبراهيم أبو جابر لصحيفة "فلسطين" إن دخول منظمة إسرائيلية إلى قطاع غزة من بوابة العمل الإنساني يمكن أن يحقق لـ(إسرائيل) مكاسب سياسية وإعلامية تتجاوز بكثير حدود النشاط الطبي الذي تعلنه المنظمة، محذرا من أن قبول هذا النوع من الحضور قد يؤسس لسابقة تسمح بتوسيع النشاط الإسرائيلي داخل المجالات المدنية في القطاع.
وأضاف أبو جابر: إن "(إسرائيل) تستطيع أن تحقق من خلال منظمة مثل ناتان أكثر من هدف في الوقت نفسه. هناك هدف إعلامي واضح يتمثل في إنتاج صورة مختلفة عن (إسرائيل) أمام الرأي العام العالمي. فعندما تظهر منظمة إسرائيلية وهي تقدم العلاج لأطفال فلسطينيين، يمكن استخدام هذه الصور للقول إن (إسرائيل) ليست فقط دولة تخوض حربا، وإنما هي أيضا دولة تقدم المساعدة والرعاية للفلسطينيين. وهذه رسالة سياسية بامتياز، حتى لو قدمت في إطار إنساني".
وأضاف: "المشكلة أن هذه الصورة تأتي في مكان تعرض فيه الفلسطينيون للحرب والدمار. ولذلك فإن تقديم العيادة بصورة منفصلة عن هذا السياق قد يؤدي إلى قلب المشهد: بدلا من أن يسأل العالم عن أسباب انهيار القطاع الصحي وعن مسؤولية الاحتلال عن الوضع الإنساني، يصبح الحديث عن (إسرائيل) التي تقدم عيادة للأطفال. هنا يتحول العمل الإنساني إلى أداة لإدارة الصورة السياسية لـ(إسرائيل)".
وأوضح أبو جابر أن "المكسب الثاني هو مكسب سياسي يتمثل في تثبيت نوع من الحضور الإسرائيلي داخل المجتمع الفلسطيني. صحيح أن المنظمة تقول إن عملها في غزة يتم بدرجة كبيرة عبر شركاء محليين ومن خلال الدعم الطبي عن بُعد، لكن المسألة لا تقاس فقط بحجم الوجود المباشر".
وتابع: "عندما تنشأ علاقات مع مؤسسات وأطباء وعاملين وشركاء داخل القطاع، فإننا أمام شبكة من العلاقات يمكن أن تتوسع مع الوقت. ولذلك يجب ألا ننظر إلى العيادة باعتبارها مشروعا منفردا، بل باعتبارها سابقة يمكن أن تفتح الباب أمام مشاريع أخرى".
وتابع أبو جابر: "هناك أيضا مكسب إسرائيلي يتعلق بإعادة تعريف علاقة (إسرائيل) بغزة أمام المجتمع الدولي. (إسرائيل) تريد أن تظهر أن حضورها في القطاع لا يرتبط فقط بالعمليات العسكرية، وإنما يمكن أن يكون لها حضور في الصحة والتعليم والإغاثة والمساعدات. وهذا أمر يجب التعامل معه بحذر شديد، لأن تحويل الحضور الإسرائيلي العسكري إلى حضور مدني وإنساني لا يعني انتهاء الاحتلال، وإنما قد يعني إعادة إنتاجه بأدوات مختلفة".
وحذر أبو جابر من التعامل مع المنظمة أو غيرها من المؤسسات الإسرائيلية داخل القطاع، قائلا: "أنا أرى أن الموقف الفلسطيني يجب أن يكون مبدئيا وليس مرتبطا باسم منظمة واحدة. إذا كنا نرفض تحويل العمل الإنساني إلى أداة نفوذ سياسي، فيجب أن نرفض دخول المؤسسات الإسرائيلية إلى المجال المدني الفلسطيني تحت أي عنوان. اليوم قد يكون العنوان عيادة طبية، وغدا يمكن أن يكون مدرسة أو مركزا نفسيا أو مؤسسة لإعادة الإعمار. الخطر يكمن في تأسيس القاعدة، وليس فقط في المشروع الحالي".
وأضاف: "هذا لا يعني بأي شكل من الأشكال رفض المساعدة الطبية. الطفل الفلسطيني لا علاقة له بالصراع السياسي، ومن حقه الحصول على العلاج، لكن السؤال هو: لماذا لا تقدم هذه الخدمات مؤسسات دولية مستقلة؟ ولماذا لا يتم تعزيز المؤسسات الطبية الفلسطينية والعربية؟ ولماذا تصبح منظمة إسرائيلية هي البوابة التي تقدم من خلالها هذه الخدمة؟ لدينا بدائل كثيرة يمكنها تقديم العلاج من دون أن تحمل خلفية سياسية مرتبطة بدولة الاحتلال".
وأشار إلى ضرورة وضع ضوابط للتعامل مع المؤسسات الأجنبية، قائلا: "يجب أن تكون هناك جهة فلسطينية مهنية تراجع كل شراكة خارجية، وتعرف مصادر التمويل، وطبيعة العلاقة بين المؤسسة الأجنبية وشركائها المحليين، والبيانات التي يمكن أن تحصل عليها، والصور التي يمكن أن تستخدمها، والمواد التي يمكن أن تنتجها إعلاميا. لا يجوز أن تكون هناك حالة من العشوائية بسبب الحاجة الإنسانية".
وحذر أبو جابر من أن "أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه هو أن نقول إن أي جهة تقدم شيئا للفلسطينيين يجب أن نقبل بها تلقائيا. العمل الإنساني يجب أن يكون مستقلا عن الأهداف السياسية. وإذا فقد هذه الاستقلالية، فإنه يتحول من مساعدة إلى أداة نفوذ. نحن لا نريد أن تتحول غزة إلى ساحة لتجريب نموذج جديد من الحضور الإسرائيلي تحت غطاء المساعدات".