في المجتمعات التي تمر بالأزمات، لا تُقاس قوة الناس بما يملكونه فقط، بل بما يستطيعون أن يفعلوه بما يملكونه. وفي قطاع غزة، حيث فرضت الظروف القاسية أعباء استثنائية على الأسر والأفراد، برزت المبادرات المجتمعية والعائلية باعتبارها أحد أهم أشكال التضامن الاجتماعي، وصورة حقيقية لقدرة المجتمع على حماية نفسه وتعزيز صموده.
والمبادرة الفردية، حين تنطلق من الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع، لا ينبغي النظر إليها باعتبارها جهدًا منفصلًا عن المصلحة العامة، بل باعتبارها طاقة اجتماعية يمكن أن تتحول، إذا نُظمت بصورة سليمة، إلى أثر واسع يتجاوز حدود الفرد والأسرة.
لقد أثبت أبناء غزة، خلال سنوات الأزمات، أن التكافل ليس مجرد شعار، وإنما ممارسة يومية تتجسد في مساعدة أسرة، وإسناد طالب، وتوفير احتياجات أساسية، وتكريم متفوق، ومساندة شاب، والوقوف إلى جانب من أثقلته ظروف الحياة.
وهذه المبادرات، مهما اختلف حجمها، تحمل قيمة إنسانية واجتماعية تستحق التقدير.
والأهم من قيمة المساعدة نفسها هو الطريقة التي تُقدَّم بها. فالمجتمع المتماسك هو الذي يحافظ على كرامة الإنسان، ويجعل المساعدة بابًا للمحبة والتواصل، لا سببًا للشعور بالنقص أو الحرج.
ولذلك، فإن تحويل العمل الخيري إلى علاقة أخوة وتكافل وهدايا متبادلة يعزز الثقة، ويجعل أثر المبادرة أعمق وأبقى.
وفي الوقت نفسه، فإن تطور المبادرات المجتمعية يستدعي قدرًا من التنظيم والشفافية وحسن الإدارة، حتى تصل الموارد إلى مستحقيها، وتُبنى قواعد واضحة للاستفادة، وتتحول الجهود الفردية إلى عمل مستدام يمكن تطويره عامًا بعد عام.
إن غزة اليوم بحاجة إلى كل طاقة إيجابية فيها: إلى رجل الأعمال الذي يساهم من ماله، وإلى الأكاديمي الذي يقدم علمه، وإلى الشاب الذي يبذل وقته وجهده، وإلى المغترب الذي يمد جسور الدعم مع أهله ومجتمعه.
المطلوب ليس أن تتنافس المبادرات على الأشخاص، بل أن تتنافس على الأثر؛ وليس أن يسأل المجتمع: من فعل الخير؟ بقدر ما يسأل: كم إنسانًا وصل إليه الخير؟ وكم أسرة خف عنها العبء؟ وكم طفلًا شعر بأن هناك من يقف إلى جانبه؟
هكذا تتحول المبادرة من فعل فردي عابر إلى قيمة اجتماعية راسخة، ومن مساعدة محدودة إلى ثقافة مجتمعية قادرة على حماية الكرامة وتعزيز الصمود.
وفي أوقات المحن، يبقى أعظم ما يمكن أن يفعله المجتمع هو أن يكتشف قدرته على مساندة نفسه، وأن يحول ما يملكه أفراده من إمكانات إلى جسور من الرحمة والتكافل والمسؤولية.
لكن هذا لا يعني أن يُترك العمل الاجتماعي للإرادة الفردية وحدها.
فالمجتمع الذي يحترم نفسه يحمي مبادراته بالقانون، وينظمها بالحوكمة، ويسائلها بالشفافية. فالقانون ليس عدوًا للتضامن، بل هو ضمانته؛ والتنظيم ليس قيدًا على الخير، بل هو ما يحفظه من العبث والاستغلال. وبدون تنظيم تتحول العشوائية إلى هدر، وبدون شفافية تفقد الثقة، وبدون كرامة تتحول المساعدة إلى منّة.
إن المقياس الحقيقي لرجل الدولة ليس عدد الخطابات التي يلقيها عن التكافل، بل قدرته على تهيئة البيئة القانونية والمؤسسية التي تسمح للمبادرات الفردية أن تتحول إلى قوة اجتماعية تحمي الإنسان، وتصون كرامته، وتعزز صموده.